وكان شديدا في تغيير المنكر ، ولو كان فيه تلفه . نزل الدّجلة يوما يتوضّأ ، فرأى زورقا فيه ثلاثون دنّا خمرا ، فسأل عنها ، فقيل : للخليفة المعتضد ، وكان قليل الرّحمة جدّا ، فأخذ المرديّ « 1 » فكسرها إلّا واحدا ، فقبض عليه ، وأحضر إلى المعتضد ، وكان يسبق سيفه كلامه ، فلمّا رآه قال : من أنت ؟ قال :
محتسب « 2 » ، قال : من ولّاك الحسبة ؟ قال : الذي ولّاك الإمامة . فأطرق ثم قال : ما الذي حملك على ذلك ؟ قال : الشّفقة عليك . قال : كيف تركت دنّا واحدا ؟ قال : أعجبتني نفسي عند وصولي إليه ، فتركته ، فخلّا سبيله « 3 » .
ومن فوائده :
التّصوّف ترك كلّ حظّ للنّفس .
وقال : أعزّ الأشياء في زماننا : عالم يعمل بعلمه ، وعارف ينطق عن حقيقة .
وقال : كانت المرقّعات غطاء على الدّرّ ، فصارت مزابل على الجيف .
وسئل عن الرّضا فقال : عن وجدي تسألون أو عن وجد الخلائق ؟ قالوا :
عن وجدك ، قال : لو كنت في الدّرك الأسفل من النّار كنت أرضى ممّن هو في الفردوس الأعلى .
وقال : لا يصحّ لعبد مقام المشاهدة وفيه نظر لغير اللّه ، ومتى طلع الصّباح استغني عن المصباح .
وساح ، فجاع في البادية أيّاما ، فهتف به هاتف : أيّهما أحبّ إليك سبب أو كفاية ؟ قال : كفاية ليس فوقها نهاية « 4 » ، فقعد بعده بضعة عشر يوما لا يأكل .
هامش
( 1 ) المردي : خشبة تدفع بها السفينة ، تكون في يد الملاح . اللسان ( ردي ) . وفي الأصول : مدراة والمثبت من المختار من مناقب الأخيار 67 / ب .
( 2 ) الحسبة : من وظائف الدولة الإسلامية ( مولدة ) يراد بها مراقبة السوق في موازينه ومكاييله وأسعاره ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمحتسب من يتولى هذا .
متن اللغة ( حسب ) .
( 3 ) في ( أ ) : عند وصولي إليه فخليته .
( 4 ) في المطبوع : ليس فوقها كفاية .