وزن المائة ليعرف قدرها ، فكيف خلط بها المجهول وهو حكيم ؟ فذهب بها إلى النّوريّ رحمه اللّه ، فوزن مائة ، وقال : ردّها عليه ، وقل له : لا أقبل منك شيئا . وأخذ ما زاد ، فزاد تعجّب الرّجل ، فسأل النّوريّ عن ذلك ، فقال : إنّ الجنيد يريد أخذ الجبل بطرفيه ، وزن مائة لنفسه طلبا للثّواب ، وطرح عليها قبضة بلا وزن للّه ، فأخذنا ما للّه ورددنا ما جعله لنفسه . فردّها على الجنيد وأخبره ، فبكى وقال : أخذ ما له وردّ ما لنا « 1 » .
قال الخطيب البغداديّ « 2 » : وهو أعلم العراقيّين بلطائف [ علم ] القوم .
واعتلّ النّوريّ ، فبعث إليه الجنيد بصرّة دراهم ، فردّها ، ثم اعتلّ الجنيد فعاده النّوريّ ، وقعد عنده ، ووضع يده على جبهته ، فعوفي فورا ، فقال له : إذا عدت إخوانك فارفقهم « 3 » بمثل هذا البرء .
ولمّا سعى غلام الخليل بالصّوفيّة إلى الخليفة ، وأمر بضرب أعناقهم ، فأحضروا ، وأحضر السّيّاف ، فبادر إليه النّوريّ ، فقال السّيّاف : تدري لم تبادر ؟ قال : نعم ، لضرب العنق ؛ أوثر أصحابي بحياة لحظة ، فتحيّر السيّاف ، ورمى السّيف ، وأخبر الخليفة ، فردّ أمرهم لقاضي قضاة بغداد ، فسألهم عن مسائل ، فالتفت النّوريّ يمينا وشمالا ، ثمّ أطرق ، ثمّ أجاب فأعجبه ، ثمّ قال :
إنّ للّه عبادا يقومون باللّه ، ويروحون باللّه ، وينطقون باللّه « 4 » ، ويحيون باللّه ، ويموتون باللّه ، ويرجعون في كلّ أمورهم إليه ، ويتوكّلون عليه ، ويثقون بجميل نظره إليهم . فبكى القاضي ، وقال للخليفة : إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض مسلم ، فأطلقهم ، وسأله القاضي عن التفاته فقال : سألت صاحب اليمين فقال : لا أعلم ، وصاحب الشّمال فقال كذلك ، فسألت قلبي فأخبرني عن ربّي ، فأجبت .
هامش
( 1 ) الخبر من ( ف ) فقط .
( 2 ) تاريخ بغداد 5 / 130 ، وما بين معقوفين مستدرك منه .
( 3 ) في ( ب ) : فارقهم . وفي المطبوع : فارزقهم . والخبر في المختار 66 / ب ، وتاريخ بغداد 5 / 132 .
( 4 ) جملة : ينطقون باللّه من ( أ ) .