وقال : كنت ببادية فجعت شديدا ، فغلبتني نفسي أن أسأل اللّه [ طعاما ، فقلت : ليس هذا من فعال المتوكّلين . فطالبتني أن أسأل اللّه ] « 1 » صبرا ، فسمعت هاتفا يقول :
ويزعم أنّه منّا قريب * وأنّا لا نضيّع من أتانا
ويسألنا القوى « 2 » جهدا وصبرا * كأنّا لا نراه ولا يرانا
فأخذني الاستقلال ، فقمت ومشيت .
وقال : النّفس كماء واقف طاهر صاف ، فإذا حرّكته ظهر ما تحته من الحمأة والتغيّر ، وكذا النّفس تظهر عند المحن والفاقة والمخالفة .
وقال : رأيت فقيرا بالمسجد الحرام وعليه خرقتان ، فقلت في سرّي : هذا وشبهه كلّ على النّاس ، فناداني :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ
[ البقرة : 235 ] فاستغفرت اللّه في سرّي ، فناداني :
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
[ الشورى : 25 ] ثمّ غاب عنّي فلم أره .
وقيل له : بم عرفت اللّه ؟ قال : بجمعه بين الضّدّين - أي في صنعه - ثم تلا :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
[ الحديد : 3 ] وقال : إذا غرقت العقول في الأذكار ضعفت النّفوس .
وقال : كنت بمكّة فجزت على باب بني شيبة ، فرأيت شابّا حسنا ميتا ، فنظرت في وجهه فتبسّم وقال : يا أبا سعيد ، أما علمت أنّ الأحياء « 3 » أحياء وإن ماتوا ؟ وإنّما ينقلون من دار إلى دار .
وقال : من لم يعرف نفسه ، كيف يعرف ربّه ؟
وسمع النّاس يقولون يوم عيد : تقبّل اللّه منّا ومنكم . فقال : هذه غفلة وقلّة رعاية ، كيف يقول الرّجل ذلك ولا يدري أعمله مرضيّ أم لا ؟ إنّما اللّائق سؤال العفو ، والتّجاوز عن التّقصير اللّازم ، ولا أبلغ في طلب العفو من الإقرار
هامش
( 1 ) ما بين معقوفين مستدرك من تاريخ دمشق 7 / 120 .
( 2 ) في مختصر تاريخ دمشق 3 / 209 : القرى .
( 3 ) في المطبوع : أن الأخيار .