أكلّفها ، ولو بعدت نواها ، * كأنّى من تذكّرها خميت « 1 »
طليح لا يئوب إلىّ جسمي * كأنّى سمّ عاضهة سقيت « 2 »
وذي ضغن كففت النفس عنه * وكنت ، على مساءته مقيت « 3 »
وسيفي صارم لا عيب فيه ، * ويمنعني من الرّهق النّبيت « 4 »
متى ما يأت يومى ، لا تجدني * بمالي حين أتركه شقيت « 5 »
هامش
( 1 ) كلف بالشئ كلفا ، وكلفه ( بالتشديد والبناء للمجهول ) : أولع به وأحبه أشد الحب حتى يبلغ منه الجهد . والنوى : الدار التي قصدتها وأقامت فيها . وقوله : « حميت » ، هي في المخطوطتين بفتح الحاء ، بمعنى : سخنت وعرقت من عرواء الوجد ، ولو قرئت بالبناء للمجهول ، بضم الحاء وكسر الميم ، فهو عندي من « حممت » من الحمى ، حول من التضعيف ، وذلك معروف في كلامهم ، مثل قولهم : حسست بالشئ وحسيت به ، فأبدلوا إحدى السينين ياء . يقول : يشتد كلفى بها ، فإذا ذكرتها أخذني نافض كأنه حمى ناهكة . ويدل على ذلك بيته الذي يليه .
( 2 ) الطليح : الضعيف الهزيل ، الذي أثبته الإعياء والكلال . وقوله : « لا يئوب إلى جسمي » ، يعنى لا يرجع إليه نشاطه ، فيطيق الحركة . وهي عبارة رفيعة مبينة ، فهو حي النفس لا تفتر نفسه من نشوة تذكرها ، ميت الأوصال من فتور وكلال . وحية عاضه وعاضهة : تقتل من ساعتها إذا نهشت .
( 3 ) في المخطوطة : « وذو ضغن » ، ورغبت عنها إلى ما في « م » . وهذا البيت في الجمهرة 2 : 36 ، واللسان ( قوت ) ، والمخصص 2 : 91 ، وتفسير الطبري 8 : 585 ، والدر المنثور 2 : 187 ، 188 منسوبا إلى أحيحة بن الجلاح الأنصاري . وروايتهم « مقيتا » وهو خطأ ، ويروى البيت للزبير بن عبد المطلب عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ورواه ابن الشجري : « وإنّي في مساءته مقيت » . والرفع في رواية ابن سلام وجه عربى صحيح ، انظر ابن مالك في كتابه : « شواهد التوضيح والتصحيح ، لمشكلات الجامع الصحيح » : 21 - 24 . وتأويل البيت « وكنته ، على مساءته مقيت » فحذف خبر كان لأنه ضمير متصل ، كما يحذف المفعول به إذا كان ضميرا متصلا ، ويستغنى عنه بنية الضمير ، يعنى « وكنت ذا ضغن مثله » وأنا على مساءته مقيت . ومقيت : مقتدر ، من قولهم : أقات على الشئ : اقتدر عليه وأطاقه .
( 4 ) الرهق : الخفة إلى الشر ، وفلان فيه رهق : أي هو سريع إلى الشر سريع إلى الحدة .
والنبيت : هم الأوس ، من الأنصار ، وهم بنو عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة . وفي المخطوطة فوق « النبيت » ( قبيلة ) . يقول : ينزهه عن الخفة والتسرع ، ما عليه قومه من المنعة والعزة والاقتدار على بلوغ النصفة من عدوهم
( 5 ) قوله : « متى ما يأت يومى » ، يعنى يوم يقضى نحبه . يقول : يموت غير شقى بماله ، فقد أهلكه في المروءة والسخاء والبذل ، وادخر في الألسنة الذكر الحسن . وفي « م » :
« يأت يوم » .