ببنيها فجاءوا ، فخرج معهم ضرار فجالد أشدّ الجلاد ، فقالت أمّ غيلان :
ما رأيت شدّة أفكل أقرب إلى حسن جلاد منه . « 1 » وقال ضرار :
جزى اللّه عنّا أمّ غيلان صالحا * ونسوتها ، إذ هنّ شعث عواطل « 2 »
فهنّ دفعن الموت بعد اقترابه ، * وقد ظهرت للثّائرين مقاتل
فجرّدت سيفي ، ثم قمت بنصله ، * وعن أىّ نفس بعد نفسي أقاتل « 3 »
346 - / / ولقى ضرار بن الخطّاب يوم أحد عمر بن الخطّاب في الجولة الّتى جالها المسلمون ، « 4 » وكان قد آلى يومئذ أن لا يقتل قرشيّا ، فضربه بعارضة سيفه ، « 5 » وقال : انج يا ابن الخطّاب ! فضرب الدّهر ما ضرب ، « 6 » وولى عمر بن الخطّاب ، فسمعت أمّ غيلان بذكر [ ابن ] الخطّاب فظنّته ضرارا ، فقدمت [ عليه ] . فقال لها قوم : قدمت وهو غائب ! فأتت عمر فأخبرته بالّذى جاءت له ، فأثابها .
هامش
( 1 ) الأفكل : الرعدة تكون من البرد أو الخوف أو الغيرة . والجلاد : الصبر في القتال .
تريد : أن ضرارا انتقل من الرعب الذي داخله فأرعده وهو تحت ثيابها ، إلى حسن الجلاد في القتال ، انتقالا غريبا حسنا .
( 2 ) شعث جمع شعثاء : وهي المتفرقة الشعر ، لم تدهن ولم تمتشط . عواطل جمع عاطل : وهي المرأة ليس عليها حلى ، لم تلبس الزينة ، وليس في جيدها قلائدها . وجعلهن شعثا عواطل : ليظهر مبادرتهن إلى نصرته ، وقد فزعن قبل أن يمسسن طيبا أو يأخذن زينتهن ، وذلك قبل الصباح .
( 3 ) قوله : « قمت بنصله » ، أي أحسنت الضرب به وأبليت به خير البلاء ، من قولهم : « قام بالأمر ، أي تولاه فأحسن تدبيره وإصلاحه .
( 4 ) جال القوم في الحرب جولة : إذا انكشفوا ثم كروا على عدوهم . وعنى هنا انهزامة المسلمين يوم أحد .
( 5 ) عارضة السيف وعرضه ( بضم فسكون ) : جانب السيف وصفحته . وانظر ابن هشام 2 : 57 .
( 6 ) يقال ضرب الدهر ما ضرب ، وضرب الدهر من ضربانه ، وضرب ضربانه : كل ذلك معناه تطاول ومضى ، ومر مروره ، وتغيرت بالناس صروفه .