لا أجذع البوّ ، بوّ الزّعم ، أرأمه * ولا أقيم بدار العجز والهون « 1 »
وشرّ حشو خباء أنت مولجه : * مجنونة هنّباء بنت مجنون « 2 »
تستخنث الوطب لم تنقض مريرته * وتأكل الحبّ صرفا غير مطحون « 3 »
151 - قال ابن دأب : وكان النابغة علوىّ الرأي ، وأخذ مروان
هامش
( 1 ) في المخطوطة : « لا أخدع البو » ولم أجد لها وجها ولا معنى . يقال : جذع الرجل يجذعه جذعا ، حبسه ، ويقال بالدال . والبو : جلد حوار ( وهو ولد الناقة ) يؤخذ فيحشى تبنا ثم يلطخ بما يخرج من أذى الرحم . ويفعلون ذلك بالناقة إذا ألقت ولدها لغير تمام فخيف انقطاع لبنها ، فيشدون على عينيها وأنفها غمامة ، وتدس في رحمها خرقة مدرجة ، فتظن أنها قد مخضت للولادة ، ثم تنزع الخرقة ، ويقرب منها البو الملطخ برائحة الرحم ، وتنزع الغمامة عن عينيها وأنفها ، فترى البو فتخدع وتظن أنها قد ولدت فيدر لبنها أو يمسك . ويقال : رأمت الناقة ولدها ترأمه : شمته وعطفت عليه . والزعم ، مثلثة الزاي ، الكذب . يعنى أباطيل الأحلام وتكاذيبها التي كان يراها في منامه ، لا يقيم عليها ولا يباليها . والهون والهوان : الخزي والقهر . يقول : لست أخدع عن نفسي بأضاليل الأحلام ، ولا أقيم حيث يراد قهري وإذلالى .
( 2 ) في المخطوطة « مجنونة هيبان » ، وهو خطأ . وقد جاء على صحته منقولا عن ابن سلام في التهذيب واللسان وتاج العروس وجمهرة ابن دريد « هنب » . وهنباء بضم الهاء وتشديد النون المفتوحة وزن لا نظير له في العربية . وامرأة هنباء : شاذة الحمق في حماقات الناس ، كشذوذ وزنها في قياس العربية . والضمير في قوله « مولجه » ، إلى حشو الخباء ، وهي هذه المرأة ، كأن قال :
أنت مولجه خباءك تحشوه به . وقد أجاد في صفة هذه البغيضة ، حين سماها « حشو خباء » !
( 3 ) خنث القربة وخنثها ( بتشديد النون ) واختنثها : ثنى فاها إلى خارج فشرب منه .
وجاء النابغة به على وزن استفعل . وهو حسن . والوطب : سقاء اللبن خاصة ، وهو قربة من جلد . والمريرة : الحبل المفتول ، أراد عصام القربة الذي يربط به فمها . يقول : هي من شرها وجوعها ولؤمها وجنونها ، تعجل إلى وطب اللبن فتثنى فمه قبل أن تحل رباطه ، لا تتحرج من شيء ، ولا تحذر أن يكون في فم الوطب أذى أو حشرة أو قذر . وقوله : « تأكل الحب » ، أجود الرواية « وتقضم الحب » ، وهي في تاج العروس « هنب » . وهذا جنون آخر ، وشره مفرد . والصرف : الخالص من كل شيء ، لم يمزج ولم يخلط ، كما يقولون : شرب الخمر صرفا .
وجعل الحب صرفا ، استهزاء وإغرابا وتعجيبا من شأن هذه المجنونة . وإنما أراد أنه لم يهيأ ولم يعالج بطحن أو طبخ حتى يستساغ .
وهي أبيات جيدة محكمة ، أتمنى أن أعرف سائرها .