زالوا ، فما زال أنكاس ولا كشف * يوم اللّقاء ، ولا سود معازيل « 1 »
لا يقع الطّعن إلّا في نحورهم * وما بهم عن حياض الموت تهليل « 2 »
فنظر النبىّ صلّى اللّه عليه إلى من عنده من قريش ، أي : اسمعوا ! حتى قال :
يمشون مشى الجمال الزّهر ، يعصمهم * ضرب ، إذا عرّد السّود التّنابيل « 3 »
يعرّض بالأنصار ، لغلظتهم - كانت - عليه . فأنكرت قريش ما قال ، وقالوا : لم تمدحنا إذ هجوتهم ! ولم يقبلوا ذلك حتّى قال :
هامش
( 1 ) الأنكاس جمع نكس ( بكسر فسكون ) ، وهو الضعيف العاجز الهياب الذي ينقلب راجعا من الخوف والذلة . والكشف : جمع أكشف وهو الذي لا يثبت في الحرب ولا يصدق القتال ، فينكشف وينهزم . « سود » ، قد شان أعراضهم ما يدنسها ويعيبها . ويروى « ميل » وهي أشهر الروايات .
والميل جمع أميل : وهو هنا الجبان ، كأنه يميل عن عدوه من الخور . والمعازيل هنا جمع معزال :
وهو الذي ينزل ناحية من رفقته في السفر ويعتزل وحده ، وهو ذم . وأراد به هنا اعتزال المقاتل عن حومة الحرب لا يعين من يدعوه لنجدته .
( 2 ) هذا البيت آخر القصيدة ، وبينه وبين السابقة أبيات . حياض الموت : موارد الهلاك ، كأن الشجاع يأتيها واردا كالظامئ إليها . وهلل عن عدوه : جبن وفزع وولى ناكصا . وقوله :
لا يقع الطعن إلا في نحورهم ، أي لا يفرون بل يواجهون القتال لا يرتدون ولا يميلون .
( 3 ) هذا البيت ، في رواية الديوان وغيره ، واقع قبل البيت الماضي ببيت أو بيتين في بعض الرواية . الزهر جمع أزهر : وهو الأبيض المستنير المشرق ، والجمال الزهر : هي الهجان ، وهي خالصة اللون كريمة عتيقة . وشبهها بالجمال الزهر ، في اطمئنانها في مشيها وإشراف هاماتها ، وكأنها لا تحفل بشئ ، من وقارها وعتقها . يعنى أنهم كرام أهل سؤدد ووقار وركانة ورزانة ، إذا لبسوا الدروع ومشوا إلى الحرب لم يفارقهم شيء من ذلك . يعصمهم : يمنعهم ويحميهم ويكفيهم عدوهم . ضرب : يعنى ضرب بالسيوف في الملحمة . ونكره زيادة في تعظيمه وتهويله ، كأنه قال : ضرب معلوم مشهور لا مثيل له . وعرد الرجل عن قرنه : أحجم ونكل وفر منهزما . والتنابيل جمع تنبال : وهو القمىء القصير . والسود : ذم لهم ، لم يعن سواد الألوان على الحقيقة ، بل ما يطمس المحاسن من ذميم الأخلاق والأفعال .