فقلت : خلّوا سبيلي ، لا أبا لكم ، * فكلّ ما وعد الرّحمن مفعول « 1 »
كلّ ابن أنثى ، وإن طالت سلامته ، * يوما على آلة حدباء محمول « 2 »
نبّئت أن رسول اللّه أوعدنى ، * والعفو عند رسول اللّه مأمول
إلى قوله :
إن الرّسول لسيف يستضاء به : * مهنّد من سيوف اللّه مسلول « 3 »
في فتية من قريش قال قائلهم * ببطن مكّة ، لمّا أسلموا : زولوا « 4 »
هامش
( 1 ) يروى « ما قدر الرحمن » ، وهما سواء في المعنى . وخلى سبيله : أي أرسله وتركه .
ويقول الشراح : إنه لما رأى أخلاءه لا يغنون عنه شيئا ، يئس من نصرتهم ، وأمرهم أن يخلوا طريقه ولا يحبسوه عن المثول بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليمضى فيه حكمه ، فإن نفسه أيقنت أن كل ما قدر اللّه واقع . ولا أرتضى هذا السياق في معنى الشعر ، فإنه ذكر قبل أن كل خليل قال له : إنّي عنك مشغول ، فليس أحد منهم يحبسه أو يمسكه ، حتى يصح سياق هذا الشرح ، وأرى أن معنى « خلوا سبيلي » هو الاستنكار والاستهزاء والأنفة من التجائه إليهم ، والتحقير لشأنهم فيقول : افسحوا طريقي وابتعدوا عنه أيها الجبناء . وليس منهم إمساك ولا حبس له عن المثول بين يدي رسول اللّه . وقوله : لا أبا لكم ، مما يستعمله العرب على وجه الذم الشديد ، ويأتون به في المدح على طريق التعجب .
( 2 ) الآلة : النعش ، واحد الآل ، وهو الخشب والأعواد . ويسمون النعش : الأعواد لأنهم يضمون عودا إلى عود فيحمل الميت عليه . والحدباء : الشاقة الصعبة الغليظة التي لا يطمئن عليها صاحبها .
( 3 ) بين البيت والذي قبله أبيات كثيرة جياد . والمهند والهندي والهندواني : السيف يعمل ببلاد الهند مطبوعا من حديد الهند ، وهو عندهم أجود السيوف وأحكمها صنعة . يقول السكرى وغيره : الهاء في « به » راجعة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وهو ليس بشئ عندي . ومن أعجب البيان قوله : « سيف يستضاء به » . وقطع ثم قال : مهند ، فهو خبر لمحذوف لا صفة لقوله « لسيف » .
ولذلك يجب الوقوف عند آخر الشطر الأول .
( 4 ) قال قائلهم : يعنى عمر بن الخطاب ، فاروق هذه الأمة ، رضى اللّه عنه . وكان المسلمون قد اشتد عليهم الأذى من قريش ، فأذن اللّه لهم في الهجرة إلى المدينة ، فجعلوا يتجهزون ويتواقفون ويتواسون ويخرجون أفرادا ويخفون مخرجهم ، حتى هاجر عمر ، فخرج جهرة في عشرين راكبا من أهله وقومه وحلفائهم . زولوا ، من زال عن مكانه يزول : فارقه وتنحى عنه . يأمرهم بالهجرة من مكة إلى المدينة .