فلمّا صلّى الصبح أتى به وهو متلثّم بعمامته ، فقال : يا رسول اللّه ! رجل يبايعك على الإسلام . وبسط يده وحسر عن وجهه ، وقال :
بأبى أنت وأمّى يا رسول اللّه ، [ هذا ] مكان العائذ بك ، أنا كعب بن زهير . « 1 » فتجهّمته الأنصار وغلّظت عليه ، لما ذكر به رسول اللّه ، ولانت له قريش وأحبّوا إسلامه وإيمانه . « 2 » فأمّنه رسول اللّه ، فأنشد مدحته التي يقول فيها :
بانت سعاد ، فقلبي اليوم متبول * متيّم إثرها ، لم يشف ، مكبول « 3 »
حتى انتهى إلى قوله :
وقال كلّ خليل كنت آمله : * لا ألفينّك ، إنّى عنك مشغول « 4 »
هامش
( 1 ) ما بين القوسين زيادة من نص رواية السبكي ، وانظر الشعر والشعراء لابن قتيبة : 104 .
العائذ : اللاجئ من مكروه يخافه ويرجو النجاة .
( 2 ) إيمانه هنا من قولك : آمنت العدو المستجير إيمانا فأمن . أي ضمنت له الأمن والأمان .
وأمنه بالتشديد مثله .
( 3 ) ديوانه : 6 وما بعدها . بانت فارقت وبعدت ، والمتبول : الذي غلبه الحب وهيمه وأسقمه والتبل : أن يسقم الهوى الإنسان . تيمه الحب فهو متيم : استولى عليه واستعبده وجعل عقله تبعا لهواه . والمكبول : المحبوس في كبل ، وهو القيد ، وهو المكبل أيضا . يقول إن قلبه متبول متيم مكبول ذليل . ويروى « لم يفد » مكان « لم يشف » . لم يفد : أي لم يجد ما يطلقه من إسار الهم والشوق والصبابة ، كالأسير الذي لم يفده أهله ، فهو ذليل يائس لا يملك إلا طاعة آسره .
( 4 ) لا ألفينك : من قولهم : ألفي الشئ : وجده وصادفه ، ومنه قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته ، يأتيه الأمر من أمرى ، مما أمرت به أو نهيت عنه ، فيقول : لا أدرى ، ما وجدنا في كتاب اللّه اتبعناه » ، أي لا أجد ذلك من أحدكم ، يحمل معنى الإنكار والنهى الشديد . وحذف كعب كأنه قال له : لا ألفينك قاعدا تتطلب منى النصرة وتأمل المعونة ، فدعني ، إنّي عنك مشغول . وقال السكرى في شرحه : « لا ألفينك :
أي لا أكون معك ، وقال غيره : لا أنفعك فاعمل لنفسك » .