وقوله :
كأنّ دماء الهاديات بنحره ، * عصارة حنّاء بشيب مرجّل « 1 »
وقوله :
وليل كموج البحر ، أرخى سدوله * علىّ ، بأنواع الهموم ليبتلى « 2 »
هامش
- الصلب عن يمين وشمال . والصفواء والصفوان والصفاة : الصخرة الملساء . والمتنزل : الذي ينزل عليها متجشما حذرا . يصف ملاسة ظهره وارتفاع لحم المتنين على الصلب ، فلا يكاد لبد السرج يستقر عليه ، فهو يزل مرة بعد مرة ، كالنازل على الصخرة الملساء ينزلق مرة هنا ومرة هنا ويتماسك .
( 1 ) الهاديات : أوائل الوحش التي خرج لصيدها . والعصارة والعصير : ما يتحلب من الشئ إذا عصرته . والمرجل : المسرح . وهذا البيت أيضا مما حير الشراح فدلسوا معناه . ذكر امرؤ القيس طول جرى فرسه حتى لحق أوائل الصيد الشارد ، فنضح عرقه وخالطة دم الصيد . وعرق الفرس يبيض إذا يبس ، فلما در عرقه ثانية شابت حمرة الدم بياض يبيس العرق وتحدر على نحره ، فهو كشيب يخضب بعصارة الحناء ويرجل ، وهي تقطر حمراء . ولولا ما أراد من ابيضاض العرق ، لم يكن للبيت ولا للتشبيه معنى . وإنما غرر بهم إدماج امرئ القيس لما يريد من ذكر تجدر العرق المخالط للدم في قوله « عصارة حناء » ، فلما أغفل ذكر العرق ظنوا التشبيه واقعا على الدماء في نحره ، وهو خطأ ، لأن الفرس الذي وصفه كميت لا مصدر ، وهو الأبيض الصدر . وانظر خبرا طريفا في شرح البيت ، الذخيرة لابن بسام 4 / 1 / 21 . الاستبصار للبطليوسى : 35 - 37 .
( 2 ) وهذا البيت أيضا مما زعم الشراح أنه شبه الليل فيه بموج البحر في ظلمته ووحشته وهوله ، وأن قوله « بأنواع الهموم » متعلق ب « أرخى على » . والتشبيه الذي زعموه هو هنا فاسد فيما أرى .
والموج في البيت مصدر لا اسم . وأصل سياقة البيت « وليل يموج بأنواع الهموم ليبتلى ، موجا كموج البحر أرخى على سدوله » . فظلمة الليل في قوله « أرخى على سدوله » ، أما التوحش والهول فهو توحش الهموم الطاغية المتضربة عليه في ظلام الليل . وهذا أحق بامرئ القيس ونبالة معانيه .
ومن تأمل عرف ما فيه من الروعة والإيجاز واللمح البعيد القريب للمعاني المختلفة . وهاهنا أمر مهم ذلك أن الحذف الطويل في شعر امرئ القيس خاصة ، وفي شعر غيره كثير ، فمن ذلك قول امرئ القيس :إذا قامتا تضوّع المسك منهما * نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفلومعناه : تضوع تضوعا مثل تضوع نسيم الصبا .