67 - وقال من احتجّ للنابغة : كان أحسنهم ديباجة شعر ، وأكثرهم رونق كلام ، وأجزلهم بيتا ، كأنّ شعره كلام ليس فيه تكلّف . « 1 » والمنطق على المتكلّم أوسع منه على الشاعر ، والشعر يحتاج إلي البناء والعروض والقوافي ، « 2 » والمتكلم مطلق يتخيّر الكلام . وإنما نبغ بالشعر بعد ما أسنّ واحتنك ، وهلك قبل أن يهتر . « 3 »
68 - ويروى أنّ عمر بن الخطّاب قال : أىّ شعرائكم يقول :
فلست بمستبق أخا لا تلمّه * إلى شعث ، أىّ الرّجال المهذّب ؟ « 4 »
قالوا : النابغة . قال : هو أشعرهم - وبنو سعد بن زيد مناة تدّعى هذا البيت لرجل من بنى مالك بن سعد يقال له : شقّة ، « 5 » أنشدناه له
هامش
( 1 ) الديباج والديباجة : ثوب جيد الملمس ناعمه موشى ، يتخذ من الحرير والإبريسم .
رونق السيف والشباب وغيرهما : ماؤه الذي يترقرق في صفائه ولألائه .
( 2 ) يعنى بالبناء : بناء القصيدة في جملته ، وترتيب الألفاظ على معانيها في العشر ، ورصفها في عروضه وقوافيه .
( 3 ) احتنك الرجل : استحكم رأيه واستحصدت قوته ، وحنكته التجارب . وأهتر الرجل ( بالبناء للمجهول ) : صار إلى الهتر ، وهو سقط الكلام ، والخطأ فيه ، واللجاجة والهذيان به .
وكذلك يكون إذا بلغ أرذل العمر . وهذا الجزء رواه صاحب شرح نهج البلاغة بنصه تقريبا 4 : 501 ، والشعر والشعراء : 108 .
( 4 ) ديوانه 57 . الرواية المشهورة « على شعث » ، أما رواية المخطوطة فلم أجدها ، وهي رواية غريبة ولكنها شريفة محكمة . و « إلى » تنظر إلى معنى « مع » كقولهم : هو حليم إلى أدب وفقه أي مع ، وقولهم : « أحمد اللّه إليك » أي معك . فمعناه مع ما ترى فيه من زلل ، فتلمه وتصلحه وتجمع ما تشعث من أمره بالخلاف ، أو سوء العشرة ، أو قلة التفطن .
( 5 ) لم أجد له ذكرا ولا خبرا ولا شعرا غير هذا . واسم « شقة » موجود في بنى تميم ، وممن سمى به « ضمرة بن ضمرة النهشلي » فإن اسمه « شقة » ، انظر مختصر جمهرة النسب : 53 ، وأصل الجمهرة 149 ، وهو مضبوط فيها بكسر الشين . وقد وجدت هذا الخبر بحمد اللّه ونعمته في شرح ديوان -