34 - ومما يدلّ على ذهاب الشعر وسقوطه ، قلّة ما بقي بأيدي الرّواة المصحّحين لطرفة وعبيد ، اللّذين صحّ لهما قصائد بقدر عشر .
وإن لم يكن لهما غيرهنّ ، فليس موضعهما حيث وضعا من الشّهرة والتّقدمة ، « 1 » وإن كان ما يروى من الغثاء لهما ، فليس يستحقّان مكانهما على أفواه الرّواة « 2 » . ونرى أنّ غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير ، غير أنّ الذي نالهما من ذلك أكثر . وكانا أقدم الفحول ، فلعلّ ذلك لذاك . فلمّا قلّ كلامهما ، حمل عليهما حمل كثير . « 3 »
35 - ولم يكن لأوائل العرب من الشّعر إلّا الأبيات يقولها الرّجل في حاجته ، وإنّما قصّدت القصائد وطوّل الشّعر على عهد عبد المطّلب ، وهاشم بن عبد مناف . « 4 » وذلك يدلّ على إسقاط شعر عاد وثمود وحمير وتبّع .
* * * 36 - فمن قديم الشّعر الصحيح قول العنبر بن عمرو بن تميم ، وكان
هامش
( 1 ) التقدمة : مصدر قدمه تقديما وتقدمة .
( 2 ) الغثاء : ما يحمله السيل من الزبد والقذر والهالك البالي من ورق الشجر . يعنى ما لا غناء فيه ولا خير .
( 3 ) حمل عليه : ادعى عليه وقوله ما لم يقل . ومنه الحميل : وهو الدعي في النسب .
( 4 ) هكذا يرى ابن سلام وغيره من المتقدمين . وهو عندي باطل ، فالشعر أقدم مما يزعم ، وطويله أعتق مما يتوهم . وليته قال هنا ما قاله منذ قليل في سبب ذهاب شعر عبيد وطرفة ، أن قدمهما كان السبب في قلة ما روى عنهما . فإذا صح ذلك ، فمن كان قبلهما أجدر أن يذهب من كلامه أكثر مما ذهب من كلامهما . وهذا بحث طويل ليس هذا مكان الاحتجاج له .