هذا اللفظ من كلام العرب ، قد درج على ألسنتهم قديما للدلالة على معان مختلفة ، ولما جاء عصر التدوين صار له مجاز آخر عند المؤلّفين والكاتبين ، حتى انتهى إلى زماننا هذا بمعنى مشهور مألوف . ومن الخطأ البيّن ، تغافلنا عن هذه الحقيقة ونحن نقرأ نصّا قديما . بل أوّل ما يجب أن نحاوله هو تتبّع أطوار معاني اللفظ ، واختلاف هذه المعاني على تطاول السنين . وقد كنت أشرت قبل إلى معنى من معاني « طبقة » ، يدلّ عليه كلام ابن سلّام دلالة واضحة ، « 1 » فقلت : « إنّ ابن سلّام عاد مرة رابعة فنظر في شعر الأربعين من « الفحول » ، فانتهى في تمييز شعرهم إلى عشرة ضروب أو مناهج سمّاها : طبقات » ، وإنما قلته استظهارا من فحوى نصّ ابن سلّام ، ومن بيانه عن عمله في تأليف كتابه .
ومادة ( طبق ) تؤول أكثر معانيها في لسان العرب إلى تماثل شيئين ، إذا وضعت أحدهما على الآخر ساواه ، وكانا على حذو واحد ، فقيل منه : « تطابق الشيئان » ، إذا تساويا وتماثلا ، وسمّوا كلّ ما غطّى شيئا « طبقا » ، لأنه لا يغطّيه حتى يكون مساويا له ، ثمّ لا يغطّيه حتى يكون فوقه ، فسمّوا مراتب الناس ومنازل بعضهم فوق بعض « طبقات » . ولما كانت كل مرتبة من المراتب لها حال ومذهب ، سمّوا الحال المميّزة نفسها « طبقة » ، فقالوا : « فلان من الدّنيا على طبقات شتّى » ، أي على أحوال شتّى . وهذا المعنى أشدّ وضوحا في حديث أبي سعيد الخدرىّ ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « 2 » : « ألا أن بني آدم خلقوا على طبقات شتّى ، منهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا ، ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت كافرا ، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا ، ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت مؤمنا » . وهذا إن شاء اللّه ، بيان عن مذاهب
هامش
( 1 ) انظر ص : 25 ، تعليق : 1 .
( 2 ) مسند أحمد 3 : 19 ، 61 .