من المذاهب في الفقه أو التفسير أو الرواية ، يعرف به صاحبه . وقد وقفت طويلا عند قول ابن سلّام ، وهو من أغرب ما قرأت : « ثم إنا اقتصرنا - بعد الفحص والنظر والرواية - إلى رهط أربعة ، على أنّهم أشعر العرب طبقة ، ثم اختلفوا بعد » ( ص : 49 ) ، فوجدته صعبا أن يفسّر قوله هاهنا « طبقة » بما يهجم على الخاطر ممّا ألفناه نحن من معنى « طبقة » ، ولم أجد له إلا معنى واحدا ، كأنّه هو الذي يعنيه ابن سلام ، وهو أنهم أشعر العرب في مذهب من مذاهب الشعر ، أو في نهج من مناهجه ، أو في ضرب من ضروبه . ورأيت أن قول ابن سلام قبل ذلك ( ص : 24 ) : « فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعرا ، فألّفنا من تشابه شعره منهم إلى نظرائه ، فوجدناهم عشر طبقات ، أربعة رهط كلّ طبقة ، متكافئين معتدلين » ، فبدا لي أنّ معنى هذا : أن « التشابه » هو أساس نظر ابن سلام ، ولا يتشابه شاعران إلا في شيء واحد ، هو مذهبهما في الشعر ، أو منهجهما الذي يتميّز به كل واحد منهم ، ويكاد يكون رأسا فيه .
فلما قال بعد ذلك « فوجدناهم عشر طبقات » ، رأيته لا يكاد يكون له معنى ، حتّى يكون معنى ذلك : فوجدناهم عشر مذاهب ، أو عشر مناهج من مذاهب الشعر ومناهجه .
ومن أجل ذلك جاء ابن سلّام في آخر كلامه عن تأليف كتابه فقال ( ص 1 : 5 ) : « وليس تبدئتنا أحدهم في الكتاب نحكم له ، ولا بدّ من مبتدأ » ، فاحترس ، ونبّه قارئ كتابه على أن تقديم شاعر من الأربعة على صاحبه المشابه مذهبه لمذهبه ، ليس حكما منه على تقديمه ، بل الأربعة جميعا عنده متكافئون معتدلون ، لأنّ كلّ واحد منهم رأس في مذهبه ومنهجه ، وإنما جمعهم فيما سمّاه « طبقة » ، لما انتهى هو إليه بعد الفحص والنّظر ، من تشابه مناهج هؤلاء الأربعة النّظراء . و « التشابه » هنا ، عند ابن سلّام ، لا يعنى التّطابق ، فهذا
طبقات فحول الشعراء — صفحة مقدمة 68
مساهمون: محمد بن سلام الجمحي
صمقدمة ٦٨