« وَلِيَعْلَمَ . . . »
أصل ثبوت الإيمان وتحقّقه من المؤمنين ولكن المراد من التمحيص هاهنا هو تخليص المؤمنين ورقيهم إلى مدارج الكمال والطمأنينة ، ورسوخ أقدامهم في صراط التوحيد ، فإنّ الناس عبيد الدّنيا والدّين لعق على ألسنتهم فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون ، فلا مناص من الامتحان والابتلاء .
فالعلم بآفات النفس ونقائصها ورذائلها لا يحصل إلّا بالتحميص والابتلاء بالشدائد والمحن . فالتمحيص أنفع شيء للمؤمن وأضرّ شيء على المنافق والمفسد .
وليس معنى المحق بطلان الشيء وانعدامه بحسب أصل وجوده بل هي الخسارة الواردة على الشيء بحيث لا يسدّه شيء . قال في لسان العرب 10 / 338 :
قال الأزهري : تقول محقه اللّه فامّحق وامتحق أي ذهب خيره وبركته . فعلى هذا محق الكافرين هو بطلان الآثار المتوقّعة من الإنسان العاقل البالغ . فقد خسروا بالابتلاء خسرانا مبينا . قال تعالى :
« وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ »
[ آل عمران ( 3 ) / 178 ] .
وأمّا محق الكافرين تكوينا وذلّتهم واستعلاء المؤمنين عليهم فهو خلاف ظاهر الآية إذ المحق من آثار المداولة الّتي هي السنّة الجارية للّه في عباده ، وليست هذه المداولة وما يترتّب عليها من الفوائد والحكم ، وخاصّة التمحيص والمحق ، وما ينتفع به المؤمن ويتضرّر به الكافر ، كلّها داخلة في سنّة التكوين ، فإنّ ما انتفع به المؤمن من الفوائد والمصالح ، وما تضرّر به الكافر من محق نوره فإنّما هو باختيارهم ولا وجوب ولا جبر . فليس رقي المؤمنين ولا خسار الكافرين بالمداولة والابتلاء بوجوب منه تعالى . وكذلك ليس هذا الاختيار مطلوبا له تعالى تكوينا كي يكون تحت وجوبه ويكونوا مضطرّين في اختيارهم . وللكلام مقام آخر .
قوله تعالى :
« أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ » .
( 142 )