وفي التعبير بقوله تعالى :
« وَيَتَّخِذَ »
تكريم عظيم للشهداء إذا كان استشهادهم باتّخاذه لهم واختياره لهم الحسنى .
وقال في الجوامع / 69 :
« وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ »
أي : وليكرم ناسا منكم بالشهادة يريد بذلك شهداء بدر ، أو
« وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ »
من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة .
أقول : هذا عطف على قوله :
« وَلِيَعْلَمَ »
أي : تلك الأيّام نداولها لكذا وكذا وليعلم اللّه . . .
« وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ » .
والظاهر أنّ اللّه تعالى يتّخذهم شهداء على الأعمال ، أي يشهدون ويعلمون أعمال الأمّة عن عيان وحضور . وهذا لا يمكن إلّا بتحميل العلم لهم كي يشهدوا على الحقّ وهم يعلمون . وبديهي أنّ الشهداء لا يمكن أن يكونوا جميع الأمّة أو جميع المؤمنين أو جميع من حضر موقف الحرب في غزوة أحد .
وفي الآية تصريح بأنّ اتّخاذ الشهداء يكون منهم لا أن يكون جميعهم شهداء . وفي ترتّب اتّخاذ الشهداء على المداولة وكونه من آثارها نوع من الخفاء والإبهام ، فإنّ الشهداء هم العلماء باللّه وبسننه وما يفعله العباد في سرّهم وعلانيتهم ، وهذه المداولة وما يترتّب عليها من الفوائد والحكم لا يريد اللّه بها للمؤمنين إلّا خيرا بخلاف غير المؤمنين فإنّه سبحانه لا يريد بالمداولة لهم خيرا لأنّ اللّه سبحانه لا يحبّ الظالمين . وقد ظهر في هذا الموقف من فضائحهم ونفاقهم وعدولهم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما لا يجبره شيء وهو عليهم عار أبدي . وبالمداولة يعلم اللّه الّذين صدقوا وليعلمنّ اللّه الكاذبين والمنافقين .
قوله تعالى :
« وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ » .
( 141 )
التمحيص : التخليص . محّص الذهب : أخلصه بالنار ممّا يشوبه . والمحق :
المحو والإبطال . فالتمحيص أيضا ممّا يترتّب على المداولة ، فإنّ المؤمن يمحّص بالابتلاءات والمحن والفتن والشدائد الّتي جرت عليها سنّة اللّه الحكيمة القيّمة .
والفرق بين هذا وبين قوله تعالى :
« وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا »
أنّ المراد بقوله :