« تتمنّون » . وهذا من تتمّة الآية السابقة حيث علّق دخول الجنّة بالمجاهدة والصبر ، ومواجهة المكاره والشدائد . وذكرها هنا أنّكم كنتم تمنّون لقاء العدوّ ومنازلة الأبطال ، والقتل في سبيل اللّه ، والدّخول في زمرة الصالحين الّذين بذلوا مهجهم دون مرضاة اللّه فلّما حضر القتال وشاهدتم حرّ السيف والمنيّة قد أنشبت أظفارها ، فشلتم ووهنتم وولّيتم الأدبار . فكم فرق بين من لهج باللّسان وبين من عمل وأطاع وصدّق النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ووفى بما عهد . فعند الامتحان يكرم الرّجل أو يهان .
قوله تعالى :
« فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ » .
( 143 )
أي : فقد رأيتم الموت وأنتم كارهون وقاعدون عن القتال . والظاهر أنّ المراد من
« تَنْظُرُونَ »
أي : لا تقدمون على القتال . وهذا إطلاق شائع .
في تفسير القميّ 1 / 119 ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر عليه السّلام في تفسير هذه الآية قال :
فإنّ المؤمنين لمّا أخبرهم اللّه بالّذي فعل بشهدائهم يوم بدر ومنازلهم في الجنّة رغبوا في ذلك فقالوا : اللّهمّ أرنا القتال نستشهد فيه فأراهم اللّه إيّاه في يوم أحد فلم يثبتوا إلّا من شاء اللّه منهم ، فذلك قوله :
« وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ . . . » .
قال في المنار 4 / 156 : الخطاب لجماعة المسلمين الّذين شهدوا وقعة بدر .
وقد ذكرنا في تلخيص القصّة أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يرى أن لا يخرج للمشركين بل يستعدّ لمدافعتهم في المدينة ، وكان على هذا الرأي جماعة من كبراء الصحابة ، وبه صرّح عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول زعيم المنافقين ، وأنّ أكثر الصحابة أشاروا بالخروج إلى أحد حيث عسكر المشركون ومناجزتهم هناك ، وأنّ هذه الآية عتاب لرجال غابوا عن بدر فكانوا يتمنّون مثل يوم بدر أن يلقوه فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر فلمّا كان يوم أحد ولّى منهم من ولّى فعاتبهم . وروي نحو ذلك عن غيره منهم الربيع والسدي .