أقول : يلوح من كلامه أنّ المراد من العلم في المقام هي الإرادة ، فلّما أراد اللّه إيمانهم فقد أراده بأسبابه ، فأراد أسبابه أيضا ؛ ومن جملتها تداول الأيّام . وحيث إنّ تحقّق الأسباب الموجبة للإيمان خارج عن اختيار المؤمنين فيكون إيمانهم أيضا خارجا عن اختيارهم . وهذا ليس بصحيح ، فإنّ الإنسان إذا توجّه إلى نفسه يجد نفسه قادرا باختيار الإيمان وضدّه . على أنّ تفسير إرادته تعالى بالعلم لا شاهد عليه برهانا وكتابا وسنّة .
وقال في مجمع البيان 2 / 509 :
« وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا »
المفعول الثاني ليعلم محذوف ، وتقديره : وتلك الأيّام نداولها بين الناس لوجوه من المصالح وضروب من الحكمة ، وليعلم اللّه الّذين آمنوا متميّزين بالإيمان عن غيرهم . وعلى هذا لا يكون
« لِيَعْلَمَ »
بمعنى يعرف لأنّه ليس المعنى : إنّه يعرف الذوات بل المعنى :
إنّه يعلم تميّزها بالإيمان .
أقول : لا يخفى ما فيه من الضعف . فإنّ اللّه تعالى كما يعلم ذواتهم في الأزل كذلك يعلم تميّزهم بالإيمان أيضا فليس هنا علم حادث سواء كان المتعلّق هي الذّوات أو تميّزها بالإيمان .
والظاهر أنّ المراد ما ذكرناه من أنّه عبارة عن حدوث المعلوم وثبوته كما أنّ نفي العلم في آية سورة يونس عبارة عن نفي المعلوم وعدم تحقّقه .
في الكافي 1 / 107 ، عن علي بن إبراهيم مسندا عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول :
لم يزل اللّه عزّ وجلّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم ، والسمع ذاته ولا مسموع ، والبصر ذاته ولا مبصر ، والقدرة ذاته ولا مقدور ، فلمّا أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم ، والسمع على المسموع ، والبصر على المبصر ، والقدرة على المقدور .
قوله تعالى :
« وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ » .
( 140 )
قال في آلاء الرحمن / 347 : أي : ولتكن العاقبة أن يفوز بعضكم بالشهادة .