تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
هذا من الفوائد والحكم المترتّبة على المداولة ، جاء به على صورة العطف ، والمعطوف غير مذكور ، وفي هذا تلويح بعدم انحصار فائدة المداولة بما ذكر ، وأنّ لها فوائد وحكما أخرى . وهذا التعبير كناية عن نفي المعلوم خارجا وحدوثه ثانيا لا نفي العلم أوّلا وحدوثه بحدوث المعلوم ثانيا ، إذ علمه تعالى أزليّ أبديّ لا يخفى عليه تعالى الأزل والأبد ، ولا يحتاج تحقّق علمه تعالى وثبوته إلى المعلوم ، فهو تعالى عالم إذ لا معلوم ، وعلمه بعد المعلوم ، وقبله سواء . وهذا التعبير شائع في القرآن الكريم . قال تعالى :
« وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ »
[ الحديد ( 57 ) / 25 ] .
« إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ » .
[ الجنّ ( 72 ) / 27 و 28 ] كما عبّر عن نفي المعلوم وإنكاره معلقا بنفي العلم . قال تعالى :
« وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ » .
[ يونس ( 10 ) / 18 ] . في تفسير القمي 1 / 310 ، قال عليّ بن إبراهيم في قوله تعالى :
« أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ »
: أي ليس ، فوضع حرفا مكان حرف ، أي ليس له شريك يعبد . قال في الميزان 4 / 28 : فالمراد به ظهور إيمان المؤمنين بعد بطونه وخفائه ؛ فإنّ علمه تعالى بالحوادث والأشياء في الخارج عين وجودها فيه . . . ولازم ذلك أن تكون إرادته تعالى العلم بشيء هي إرادة تحقّقه وظهوره ، وحيث قال :
« وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا »
فأخذوا وجودهم محقّقا أفاد ذلك إرادة ظهور إيمانهم ، وإذ كان ذلك على سنّة الأسباب والمسبّبات لم يكن بدّ من وقوع أمور توجب ظهور إيمان المؤمن بعد خفائه .