أقول : وكيف كان التفسير ، فهذه الآيات إرشاد وتذكرة بسوء الظنّ بالنفس وعدم الاغترار بها والحثّ البالغ على المراقبة والبحث في كلّ مرتبة من مراتب السلوك والمجاهدة ، والاستعاذة باللّه تعالى من الامتحان الشديد وطلب الصفح ، وأن يبدل الامتحان بالتوفيق والتسديد والتأييد ، وفي الأدعية المأثورة عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام شيء كثير في الاستعاذة والاستقالة من البلوى والامتحان وتحمّل الشدائد .
قوله تعالى :
« وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ » .
إخبار عن سنّة اللّه العامّة في خلقه بلا استثناء أحد منهم نبيّا كان أو رسولا أو ملكا وكلّ ذي مكانة عند اللّه سبحانه . وليس سبيل هذا الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلّا كسبيل من مضى من رسل اللّه وأنبيائه صلوات اللّه عليهم ، فلا بد ان يمضي كما مضوا . وبديهيّ أنّه لا يموت دينه بموته بل دينه دين اللّه وقد بلّغ وهدى واهتديتم به فمن المستحيل أن يموت الدّين وتموت الهداية ، وتبطل الأنوار والحقائق الثابتة بموته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
وفي الآية دلالة قطعيّة على أنّ من المسلمين من قال بهذه المقالة وتحقّق هذا الارتداد . إذ الانقلاب ظاهر في الارتداد . وفيها توبيخ وتشنيع شديد على المرتدّين ، وتقدير وثناء على الثابتين الّذين عبّر عنهم في الآية بقوله :
« وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ »
واختلف المفسّرون في موقف هذا الارتداد وأكثرهم يقول أنّه في غزوة أحد حين شاع في النّاس أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد قتل وانهزم المسلمون إلّا عدد قليل منهم .
قال في الكشّاف 1 / 422 : لمّا رمى عبد اللّه بن قمئة الحارثيّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بحجر فكسر رباعيّته وشجّ وجهه ، أقبل يريد قتله فذبّ عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مصعب بن عمير - وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد - حتّى قتله ابن قمئة وهو يرى أنّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال :