ولا طاقة لكم بهم ، وأسرعوا المسير إلى مكة فأوحى اللّه بذلك إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأعلمه ما قالوا لنعيم .
أقول : الظاهر أنّ الآية بمنزلة التعليل للنهي عن الوهن والحزن ، وتثبيت للبشارة الموعودة في الآية ؛ وهي قوله :
« وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ » .
وأيضا الظاهر أنّ الآية في مقام التعرّض بأنّ القرح كما أصابكم كذلك أصابهم لا الموازنة والمماثلة الحقيقيّة بين القرحين كي يبحث عن تعداد المجروحين من الكفّار والمسلمين . فإنّ القصص المذكورة لا تصلح لإثبات الجزئيات الواقعة في الموقف ، وكذا الآحاد من الأخبار .
فمن ادّعى ظهور الآية في الموازنة الحقيقيّة فلا احتياج له إلى نقل القصص والقضايا .
قوله تعالى :
« وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ » .
الظاهر من الأيّام هي الكرّات الحاصلة للأقوام باستعلاء هؤلاء القوم على أولئك يوما واستعلاء أولئك على هؤلاء يوما آخر كما يقال : اليوم يومان : يوم لك ويوم عليك . ولعلّ إطلاق اليوم على الوقائع والحوادث الواقعة فيه من قبيل إطلاق المحلّ على الحالّ والظرف على المظروف . وهذا إطلاق شائع في كلام العرب .
وهذا التحوّل والغلبة والكرّة بعد الكرّة لا يختصّ بقوم دون قوم وهو من سنن اللّه تعالى في خلقه ، ويفعلها اللّه سبحانه لحكم وفوائد قدّرها بعلمه ، لا سيّما المداولة بين أهل الحقّ والباطل بالإملاء للكافرين والنصرة للمؤمنين . فإنه بهذه المداولة يسقط كلّ متظاهر بالإيمان والإسلام ، عن زمرة المؤمنين والمسلمين ، ويميّز الخبيث عن الطيّب . وقد جرت سنّة اللّه الحكيمة القيّمة أن تكون المغالبة من الطرفين على سنن العادة والطبيعة والأسباب والمسبّبات ، ولو كانت غلبة المؤمنين وعزّتهم وشوكتهم على سبيل الإعجاز والكرامة لبطل الإيمان والإخلاص ، ولم يكن بين المؤمن والكافر فرق ، ولا بين المخلص والمنافق تمايز ، ولم يكن هناك مجاهدة وصبر ووفاء وإخلاص .
قوله تعالى :
« وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا » .