فعلى ما ذكرنا يكون هذا قيدا لانتهائهم عن الوهن والحزن ، ولإذعانهم بأنّ علوّهم على العدوّ في أوّل الحرب وآخره بنصر اللّه وبإذنه .
وقال في آلاء الرحمن / 345 :
« وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ »
وفي هذه الجملة وجوه : . . .
وثالثها أن يراد أنتم الأعلون مطلقا بحسب ما ذكر في الوجه الأوّل وبحسب علمكم بما وعد اللّه رسوله ، وبشراه لكم بعلوّ أمر الدّين وبوار المشركين فيصح عليه كون الجملة حاليّة . ويكون قوله تعالى :
« إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
قيدا للتصديق بالبشرى ، أو للبشرى .
والظاهر أنّ الآية في مقام تسلية المؤمنين فقد أفنت الحرب سراتهم وحماتهم ، وشجّ وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأصابت الجراحات المجاهدين الصادقين الصابرين . وأشدّ من الجميع سرور المشركين وظنّهم أنّهم انتقموا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعلي عليه السّلام ، وأنّ قتل حمزة بقتلى بدر . فبشّرهم اللّه سبحانه وسلّاهم عنهم أن :
« وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
فهو تحديد وتقييد حصول البشرى لهم بشرط الإيمان .
قوله تعالى :
« إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ »
قال في لسان العرب 2 / 557 : القرح والقرح ، لغتان : عضّ السلاح ونحوه ممّا يجرح الجسد وممّا يخرج بالبدن .
قال في التبيان 2 / 600 : وكان سبب نزول الآية ما قدّمنا ذكره من أنّ اللّه تعالى أراد أن يرعب الكفّار فأمر المسلمين أن يتبعوا المشركين على ما بهم من الجراح والألم وحتّم على ذلك ، ونهاهم عن الوهن والحزن ، ووعدهم بأنّهم الأعلون إن تمسّكوا بالإيمان ، لأن المشركين كانوا همّوا بالعود إلى المدينة والغارة عليها ، فلمّا بلغهم عزيمة المسلمين على تتّبعهم خافوهم وقال بعضهم لبعض يوشك أن يكون انضّم إليهم من كان قعد عنهم ، وأعانهم أحلافهم من بني قريظة والنضير . فدسّوا نعيم بن مسعود الأشجعي وبذلوا له عشر قلائص على أن يثبّط المسلمين عن تتبّعهم ويقول : إنّهم تجمعوا وانضّم إليهم حلفاؤهم وهم يريدونكم