النسل الحاضر الّذي ينتهي إلى آدم وحوّاء الزوجين الشخصيّين قد جعل اللّه سبحانه في رجالهم ونسائهم رغبة وشهوة في الاختلاط ؛ وهو الأساس لبقاء النسل ودوام هذا النوع فهم من لدن آدم إلى يومنا هذا ليسوا مثل الحيوانات ينزو بعضها على بعض بل عندهم على اختلاف مللهم ونحلهم شروط وقيود وحقوق في شأن اختصاص امرأة برجل بالنسبة إلى كلّ من الطرفين . وهذا الاختصاص مع شروطه وقيوده قد يتلاعب به فراعنة الأرض طبق ميولهم وشهواتهم ، ويسعون في إلغائه ، وجدّوا في إبطال أركانه . فليس هذا الاختصاص أمرا حادثا بحدوث الإسلام ، وليس تشريعا جديدا لم يكن من قبل ، بل إنّما ورد الإسلام على أمر دائر رائج بين جميع الأمم من القرون القديمة وأخذ الإسلام في تحكيمه وتثبيته بقوانينه العادلة السماويّة ، وفي تطهير هذه الحقيقة المباركة من الأباطيل ، وإحياء ما اندرس منها بتغيير الجاهلين وإحقاق ما أبطله المبطلون فأحكمها وأتقنها على أساس العدل والإنصاف ، وحثّ عليه ورغّب فيه غايته ، ونهى عن تعطيل النساء والعزوبة والإحصار .
وليعلم أنّه ليس في الألفاظ الحاكية عن هذه الحقيقة ، حقيقة شرعية أو متشرّعة ، فاللّفظ الحاكي عن هذا الاختصاص بالمعنى الاسم المصدريّ في مورد الإمضاء والترغيب والتشويق وأمثال ذلك ، هو التزويج والنكاح . وهذان اللّفظان وإن لم يعلم كونهما موضوعين لهذا الاختصاص إلّا كثيرا ما أطلقا وأريد منهما هذا الاختصاص بضرب من التوسع والعناية . ولا يجوز للفقيه أن يعتمد على الغالب فيهما بل يجب عليه الفحص عن القرائن وتعيين ما يراد منها في الموارد بخصوصها ، ولم أجد استعمالها في القرآن الكريم في هذا الاختصاص إلّا قوله تعالى :
« الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ »
[ النور ( 24 ) / 3 ] .
فلم يتبيّن لي المراد من النكاح فيها بعد .
والقرينة العامّة لإرادة هذه الحقيقة والاختصاص من لفظ النكاح والتزويج