أقول : قد عرفت ممّا ذكرناه أنّ كلّ ما ورد من التحليل والتحريم والتأسيس والتشريع ، والردع والإمضاء في هذا الباب لا بدّ أن يكون متعلّقه هو النكاح بالمعنى الاسم المصدريّ .
فقوله :
« أُحِلَّ لَكُمْ »
قرينة على أن المتعلّق هو النكاح والتزويج بأعيان النساء على النحو الكلّي ، ومن أنواع هذا العامّ هو الاستمتاع بأعيان النساء من غير المحارم على الأجور ، فلا دليل على تأويل قوله : « ما » بمعنى « مهما » .
قال في البيان 3 / 165 :
« فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ »
قال الحسن ومجاهد وابن زيد : هو النكاح . وقال ابن عبّاس والسدي : هو المتعة إلى أجل مسمّى ؛ وهو مذهبنا . لأنّ لفظ الاستمتاع إذا أطلق لا يستفاد به في الشرع إلّا العقد المؤجّل ، ألا ترى أنّهم يقولون : فلان يقول بالمتعة وفلان لا يقول بها ، ولا يريدون إلّا العقد المخصوص .
أقول : هذا متوقف على كون المتعة أمرا دائرا بين الناس مثل الدائم ولو على نحو الفاسد أو الالتزام بالحقيقة الشرعيّة بأن يكون لفظ الاستمتاع منسلخا عن معناه اللّغوي حين النزول واستعمل بوضع جديد في المعنى الجديد الشرعيّ ، فالأوّل غير معلوم واحتمال الحقيقة الشرعيّة ساقط جدّا فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يعلّم الناس الكتاب والحكمة ومعالم الدين بلسان قومه بتعدّد الدالّ والمدلول طبق الطريقة المألوفة بين عقلاء الأمم في نشر قوانينهم ، ولا يليق به صلّى اللّه عليه وآله وضع لغة جديدة وإماتة اللّغة القديمة .
فاتّضح من جميع ما ذكرنا أنّ الآية ليست في مقام الإرشاد إلى الالتذاذ من المنكوحات ، ولا في بيان أنّ المهور في قبال الالتذاذ ، ولا في مقام التأكيد لاستيفاء المهور . والسرّ في التشكيك والوسوسة في معنى الآية إنّما هو لأجل التحفّظ على مقام الخليفة ، فإنّه لولا نهيه عن المتعتين لما فسّر أحد من هؤلاء الأفاضل هذه الآية بهذا التفسير والحقّ أنّ التدبّر في قوله تعالى :
« وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ . . . »
يعطي ويفيد أنّ المراد في الآية إيقاع الاستمتاع بالنّساء المحلّلات لا المنكوحات ،