قوله تعالى :
« وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ » .
واضح أنّ هذه الآيات غير مسوقة إلّا لبيان أصل التشريع غير آبية عن ورود الحدود والشروط على متعلق تلك الأحكام وموضوعاتها فلا يمكن التّمسك بالإطلاق فيها ، ولا تكون ما ترد عليها من القيود والشروط مخالفة معارضة لمفادها .
وقد أصرّ الجصاص في أحكام القرآن 3 / 66 ، وأطال وأكثر في إثبات الإطلاق وأنّ الرضاع يحرّم قليله وكثيره ، وأنّ سمة الأمومة والأخوة تحصل بصدق الرضاع ، حيث قال : وغير جائز لأحد إثبات تحديد الرضاع الموجب للتحريم إلّا بما يوجب العلم من كتاب أو سنة منقولة من طريق التواتر . ولا يجوز قبول أخبار الآحاد عندنا في تخصيص حكم الآية الموجبة للتحريم بقليل الرضاع ، لأنّها آية محكمة ظاهرة المعنى بيّنة المراد .
أقول : قد عرفت ما هو الحقّ في المقام ، فلا يجوز القول بالتحريم ورفع اليد عن الإباحة إلّا بعد الرجوع إلى المخصّصات الواردة في شرحها وتفسيرها .
قال في زبدة البيان / 525 : وهذه الآية لم تدل على أنّ مجرّد صدق الرضاع يكفي ، لأنّه قيّد بكونها أمّا من الرضاع وأختا ، ولم تعلم التسمية بمجرّد صدق أنّها أرضعت وارتضعت . فاستدلال الحنفيّة ونحوها بها على أنّ مجرد صدق الرضعة لغة كاف ، مدخول . ولو كان كذلك لكان الاكتفاء بقوله :
« اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ »
أولى .
أقول : هو كما ذكره ، فإنّ التعبير بالأمّ والأخت فيه إشعار أنّ سمة الأمومة والأخوة تحصلان بالرضاع ومعلوم أن الأمّ لا ترضى في رضاع ولدها بالمصّة والجرعة بل تربّية في حجرها وترضعه مرّة بعد مرّة .
ثمّ إنّ المحرّم بسبب الرضاعة بحسب هذه الآية الأمّ والأخت وهذا لا ينافي تحريم ما سواهما وبيان شروط وحدود لتحريمهما وتحريم ما سواهما بحسب الآيات الأخرى والسنن الشريفة .