تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
هذا الواجب لا يسقط بعدم امتثاله في أوّل أوان امتثاله بل هو واجب بذاته سواء عصي به أم لا . فالإيمان باللّه تعالى بعد معرفته سبحانه واجب بذاته ولا يسقط بعد الاستكبار والعصيان فلو كفر ألف ألف مرّة لا يسقط وجوبه . وهكذا غيره من الواجبات والمحرّمات العقلّية الضروريّة . وحيث إنّ التوبة عن الكفر واجبة بعين وجوب الإيمان وبعين وجوب امتثاله ، والإصرار على الكفر والمداومة عليه حرام بعين حرمة الكفر ، والرجوع إلى طاعته تعالى بعد الاستكبار واجب بعين وجوب الطاعة للّه والانقياد له سبحانه من غير فرق بين التكليف الابتدائي والتكليف بعد العصيان . فلا يعقل سقوط هذه الفرائض العقلّية بوجه من الوجوه ، ولا معنى للفحص والطلب عن دليل وجوبها بعد عصيانها . فجميع الآيات الواردة في القرآن الكريم والأخبار الآمرة بالتوبة إرشاد وتذكرة إلى وجوب التسليم والرجوع إلى الطاعة والردع عن المخالفة . ولا فرق في ذلك بين الصغيرة والكبيرة وإنّما الفرق بينهما من جهة أحكام أخرى غير الّتي يجب فيها التوبة إذ لا معنى لتفصيل القول في لزوم احترام أمره وحكمه جلّ ثناؤه . فتحقّق من جميع ما ذكرنا أنّ وجوب التوبة ليس من باب الدليل السمعيّ ولا من باب دفع الضرر ، ولا من باب وجوب الندم على القبيح والإخلال بالواجب . قال العلّامة المجلسي قدس سره في البحار 6 / 48 : اعلم أنّه لا خلاف بين المتكلمين في وجوب التوبة سمعا واختلفوا في وجوبها عقلا ، فأثبته المعتزلة لدفعها ضرر العقاب . قال الشيخ البهائي رحمه اللّه : هذا لا يدلّ على وجوب التوبة عن الصغائر ممّن يجتنب الكبائر لكونها مكفّرة ، لهذا ذهبت البهشميّة إلى وجوبها عن الصغائر سمعا لا عقلا . نعم الاستدلال بأنّ الندم على القبيح من مقتضيات العقل الصحيح يعمّ القسمين . وأمّا فوريّة الوجوب فقد صرّح بها المعتزلة فقالوا : يلزم بتأخيرها ساعة إثم آخر تجب التوبة منه أيضا حتّى أنّ من أخّر التوبة عن الكبيرة