الفرق في التوبة مطلقا بين العالم والجاهل .
ثمّ شرع بتوجيهه بوجهين . لكن قد عرفت أنّ قبول التوبة ليس محالا عقلا . والآية الكريمة تنفي قبول التوبة عن المسوّفين إلى أن حضرهم الموت فليس فيها دلالة على استحالة قبول التوبة عقلا وبرهانا وإنّما هو إخبار عن سنّة اللّه تعالى وقضائه العادل وحكمة الحقّ فيهم . فالآية من حيث إطلاقها لا تتأبّى عن التقييد كما لا يخفى .
قوله تعالى :
« وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ » .
هذه الجملة عطف على سابقتها . وقد حكم تعالى في السابقة ببطلان توبة من ارتكب السيّئات من أهل التوحيد من المؤمنين وسوّفها إلى أن حضره الموت بمعاينة أحوال الآخرة ، وحكم في هذه الجملة ببطلان توبة الكفّار أي إيمانهم أيضا إذا سوّفوها إلى أن يموتوا أي يشرفوا على الموت بمعاينة أحوال الآخرة . فالآية الكريمة سيقت من أوّلها لرجوعه تعالى بالرأفة والكرامة على التائبين وعدم رجوعه وتوبته تعالى بهذه الرأفة والكرامة على أهل التسويف إلى أن حضرهم الموت . وقوله :
« وَهُمْ كُفَّارٌ »
حال من الفاعل في
« يَمُوتُونَ » .
قوله تعالى :
« أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً » .
( 18 )
قال في مجمع البيان 3 / 21 :
« أَعْتَدْنا »
قيل : إنّ أصله أعددنا ، فالتّاء بدل من الدّال . وقيل : هو افعلنا من العتاد ؛ وهو العدّة .
أقول : هذا إشارة إلى كلا الفريقين أو إلى الأخير .
قال في الكشاف 1 / 489 :
« أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ »
في الوعيد نظير قوله :
« فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ »
في الوعد ليتبيّن أنّ الأمرين كائنان لا محالة .
أقول : واضح أنّ الوعد يقع لا محالة بخلاف الوعيد فتدخل فيه المشيئة .
فالآية الكريمة من حيث الوعيد على كلا الفريقين مطلقة وهذا الإطلاق في معرض التقييد فلا يجوز الأخذ بإطلاقها مع قطع النظر عمّا يصلح لتقييدها فلا بدّ من الفحص عن المقيّدات ؛ وقد أخبر تعالى أنّه يغفر ما دون الشرك لمن يشاء من غير التائبون ، وامّا التائبون فقد نقلنا عن التوحيد ، عن موسى بن جعفر عليه السّلام