تكون عقيب المعصية خوفا من الاخترام ، وليس المراد بذلك أنّها لو تأخّرت لما قبلت . وقال الزجّاج : معناه : ثمّ يتوبون قبل الموت ، لأنّ ما بين الإنسان وبين الموت قريب والتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت . وقال الحسن والضحّاك وابن عمر : القريب ما لم يعاين الموت . . . وقال السدي وابن عباس : في حال الصحة قبل الموت .
أقول : محل الكلام إنّما هو في وجوب القبول حسب ما كتب على نفسه بالشرط المذكور ، والحقّ في المقام ما ذكره اللّه تعالى في الآيتين ، وهو كون التوبة بعد ارتكاب السوء .
ثمّ لا يخفى أنّه لا كلام في فوريّة وجوب التوبة والمبادرة إليها ، وتحريم التسويف والتهاون بالنسبة لها إلّا أنّ وجوب المبادرة لا ينافي القبول لو أخّرها عصيانا كما هو مفاد الروايات ، وإن كان خارجا عن مفاد الآية المبحوث فيها ضرورة أنّ الآية سيقت لبيان وعده تعالى لقبول توبة عباده لا لبيان جواز القبول وحسنها فحينئذ يرتفع الإشكال المتوهّم بين هذه الآية وبين الروايات الكثيرة الدالّة على صحّة التوبة وقبولها قبل الموت ، فإنّ الأخبار في مقام بيان تفضّله تعالى على عباده والآية في مقام بيان ما يجب عليه تعالى قبوله بحسب وعده سبحانه .
قوله تعالى :
« فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ » .
هذا هو وعده تعالى الجميل . فربّنا جلّ مجده وافي القول وصادق الوعد ونافذ العدة فلا يخلف الميعاد البتّة . وفي ذلك ذكرى للذّاكرين فيجب على أرباب البصائر والمراقبين لجلاله تعالى ، والمجتهدين في طاعته تعالى إذا غلبت عليهم نفسية المخذولين وزلّت أقدامهم ، الرجوع فورا إليه تعالى والالتجاء إلى حصنه الحصين ، ومطالبته تعالى بما وعده من العود لمن عاد ولجأ إليه تعالى عن قريب ، ولا يمكّن من نفسه اليأس ونفثة الشيطان .
قوله تعالى :
« وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً » .
( 17 )
إنّ اللّه تعالى يعلم سرائر القلوب ونجيّات الصدور . ويعرف التائب الصّادق