فمعنى توبته تعالى على عباده هو ما جرت سنّته الحكيمة الفاضلة من جلب عباده إلى بابه بتعريف نفسه إليهم وبتحبيبه لهم أو بتخويفهم من سطوته أو بغير ذلك من الأسباب الّتي يحصيها ولا يعرفها غيره سبحانه . فسبحانه من وهّاب ما أتوبه ، وسبحانه من توّاب ما أسماه .
قوله تعالى :
« إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ » .
[ التوبة وشرائط قبولها ]
أي إنّ توبة اللّه تعالى على عباده حسب ما وعده على نفسه ورجوعه سبحانه عليهم بتوفيقه لهم بالتوبة منحصرة للّذين يقومون بشرائطها . قال أمير المؤمنين عليه السّلام : ومن أعطي التوبة لم يحرم القبول . ( نهج البلاغة ، الكلمات القصار / 135 ) .
فالتوبة الّتي على عهدته تعالى حسب ما وعده هي الّتي بعد توبة العبد أمّا توبته تعالى على عبده قبل توبة العبد فهي ليس على اللّه فانّه سبحانه إن شاء يهديهم وإن شاء يعذّبهم .
قال في الميزان 4 / 253 : إنّ توبة واحدة من العبد محفوفة بتوبتين من اللّه سبحانه على ما يفيده القرآن الكريم . وذلك أنّ التوبة من العبد حسنة تحتاج إلى قوّة ، والحسنات من اللّه ، والقوّة للّه جميعا فمن اللّه توفيق الأسباب حتّى يتمكّن العبد من التوبة . . . ثمّ إذا وفّق للتوبة والرجوع احتاج في التطهّر من هذه الألواث وزوال هذه القذارات والورود والاستقرار في ساحة القرب إلى رجوع آخر من ربّه إليه بالرحمة والحنان والعفو والمغفرة .
أقول : هذا على إطلاقه غير تامّ فإنّ التوبة كثيرا ما أطلقت وأريد منها مطلق الرجوع من دون عناية إلى الوجه المذكور . قال تعالى :
« رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ »
[ البقرة ( 2 ) / 128 ] .
ولا يخفى أنّ دعاء الخليل ومناجاته صلوات اللّه عليه في طلب التوبة منه تعالى لنفسه ولإسماعيل حين يرفع قواعد الكعبة من أشرف مواقفه الجليلة حيث