والجلد في البكرين . . . فإنّهم لا يختلفون أنّ الفاحشة المذكورة في الآية هو الزنى ، وأنّ هذا الحكم منسوخ ؛ وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما السّلام .
وقال الجصّاص في أحكام القرآن 3 / 41 : لم يختلف السلف في أنّ ذلك كان حدّ الزانية في بدء الإسلام وأنّه منسوخ غير ثابت الحكم .
وقال في البيان / 214 : ولا ظهور للفظ الفاحشة في خصوص الزنا لا وضعا ولا انصرافا . ثمّ إنّ الالتزام بالنسخ في الآية الأولى يتوقف أوّلا على أنّ الإمساك في البيوت حدّ لارتكاب الفاحشة ، وثانيا على أن يكون المراد من جعل السبيل هو ثبوت الرجم والجلد ، وكلا هذين الأمرين لا يمكن إثباته . فإنّ الظاهر من الآية المباركة أنّ إمساك المرأة في البيت إنّما هو لتعجيزها عن ارتكاب الفاحشة مرّة ثانية وهذا من قبيل دفع المنكر وقد ثبت وجوبه بلا إشكال في الأمور المهمّة . . . كما أنّ الظاهر من جعل السبيل للمرأة الّتي ارتكبت الفاحشة هو جعل طريق لها تتخلّص به من العذاب . فكيف يكون منه الجلد والرجم . . .
وكيف يكون الجلد أو الرجم سبيلا لها ، وإذا كان ذلك سبيلا لها فما هو السبيل عليها ؟ ! وعلى ما تقدّم فقد يكون المراد من الفاحشة خصوص المساحقة كما أنّ المراد بها في الآية الثانية ( التالية ) خصوص اللّواط . . . وقد يكون المراد منهما ما هو أعمّ من المساحقة والزّنا . وعلى كلا هذين الاحتمالين يكون الحكم وجوب إمساك المرأة الّتي ارتكب الفاحشة في البيت حتّى يفرّج اللّه عنها فيجيز لها الخروج إمّا للتوبة الصادقة الّتي يؤمن معها من ارتكاب الفاحشة مرّة ثانية ، وإمّا لسقوط المرأة عن قابليّة ارتكاب الفاحشة لكبر سنّها ونحوه ، وإمّا بميلها إلى الزواج وتزوّجها برجل يتحفّظ عليها ، وإمّا بغير ذلك من الأسباب الّتي يؤمن بها من ارتكاب الفاحشة . وهذا الحكم باق مستمرّ .
وأمّا الجلد أو الرجم فهو حكم آخر شرّع لتأديب مرتكبي الفاحشة ؛ وهو أجنبيّ عن الحكم الأوّل فلا معنى لكونه ناسخا له .
أقول : الآية الكريمة وإن لم تكن صريحة في أنّ المراد من الإمساك هو الحدّ
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 313
مساهمون: محمد باقر الملكي الميانجي
ص٣١٣