« فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ »
[ يونس ( 10 ) / 83 ] .
و
« قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ »
[ الذاريات ( 51 ) / 32 - 34 ] .
فالنهي عن الأكل إسرافا مع كون الأكل حراما إنّما هو لتوبيخ الأكل ولأجل إبراز قبح هذه الأكلة المذمومة .
فإن قيل : إنّ النهي عن الأكل إسرافا في مقابل قوله تعالى في ذيل الآية :
« وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ »
فالأوصياء في مقام أخذ الأجرة في مقابل عملهم وسعيهم في إصلاح أموال اليتامى ، لهم أن يأكلوا من أموال اليتامى بالمعروف والعدل ومقابلة الأكل بالإفراط والإسراف فلا يكون هذا الاسراف متعلّقا بالأمر المحرّم المنهي . فعلى هذا يكون المنهي والمحرّم نفس الإسراف لا الإسراف في المحرّم .
قلت : قوله تعالى :
« وَبِداراً »
قرينة أنّ هذا الإسراف والمبادرة إلى الأكل لأجل خوفهم عن بلوغ اليتامى وصيرورتهم كبارا وراشدين فتنقطع أيديهم من أموالهم . فخلاصة المعنى : لا تأكلوها مسرفين ومبادرين مخافة أن يكبروا .
قوله تعالى :
« وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ » .
فالمتصدّي لأموال اليتامى إذا كان غنيّا إذا عمل في أموال اليتامى وشغل نفسه بإصلاحها بحيث لو كان يعمل لغيره لكان مستحقّا للأجرة فأمره تعالى أن يستعفف عن الأكل والمطالبة بالأجرة . والاستعفاف من الأخلاق الفاضلة الكريمة . ويستعمل غالبا في إعمال العفّة ، بعبارة أخرى : في مورد العفّة عملا . ولعلّ صيغة الاستفعال لتحميل النفس على العفّة .
فالأمر إرشاد إلى خلق كريم وصفة فاضلة فلا يفيد وجوب ترك مطالبة الأجرة تشريعا ولا ينفي استحقاق الوليّ لها ، فللولي ترك الأكل وطلب الأجرة