مبصرا ليبتغوا فيه من فضله وليتسبّبوا إلى رزقه ، ويسرحوا في أرضه طلبا لما فيه نيل العاجل من دنياهم ، ودرك الآجل في أخراهم ، بكلّ ذلك يصلح شأنهم ويبلوا أخبارهم وينظر كيف هم في أوقات طاعته ومنازل فروضه ومواقع أحكامه ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى .
أقول : الظاهر أنّ الآية عند أولي الألباب لا تختص بواحد من الوجوه المزبورة بل الحكم والأسرار المودعة في هذا الخلق البديع آية وعلامة على قدرة باهرة وعناية كاملة ، وأنّها تحت تدبير عليم حكيم . قال تعالى :
« هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ »
[ يونس ( 10 ) / 67 ] .
« وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً » .
[ الفرقان ( 25 ) / 47 ]
قوله تعالى :
« الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ » .
نعت لأولي الألباب . وكذلك قوله تعالى :
« وَيَتَفَكَّرُونَ »
بعد هذا . فذكر اللّه تعالى في جميع الحالات والأوقات قائما وقاعدا ومضطجعا ، من جملة شؤون العباد كما أن التفكّر كذلك . وكلاهما من العبادات الذاتية ومن المحسنات الضرورية . فكل ما ورد في الكتاب والسنّة من الأمر بهما إرشاد وتذكرة إليه . فذكر اللّه تعالى بالتسبيح والتمجيد والتهليل تواضع وتخضّع للّه بالضرورة ، ومن أوضح مصاديق العبادة .
قال في آلاء الرحمن / 380 :
« يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً »
جمع قائم ؛ وهو حال
« وَقُعُوداً »
جمع قاعد ؛ وهو حال أيضا « و » مضطجعين
« عَلى جُنُوبِهِمْ »
.
فالآية الكريمة شاملة بإطلاقها جميع الأذكار من التسبيح والتمجيد ، والتكبير والتهليل والصلاة ، وكذلك تشمل الذكر القلبي . ويشمل القيام والقعود ، القيام والقعود في حال القراءة والتشهد وقعود المريض أيضا .