تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
صنعته حيثما توجّهت ، وفيك من آثاره ما يغنيك . . . والمراد من ظهوره تعالى وتجلّيه سبحانه للعقول هو تعريفه تعالى نفسه لها ، إذ معرفة عين الشاهد قبل صفته ومعرفة صفة الغائب قبل عينه ، وهو تعالى مع خلقه شاهد وإليهم أقرب من حبل الوريد ، وهو سبحانه ظاهر لعباده بالآيات والعلامات كما هو صريح قوله عليه السّلام : « المتجلّي لخلقه بخلقه أي : « ما خلق اللّه سبحانه من المخلوق الّذي لا ريب في كونه مخلوقا بإيجاده ، وحادثا بإحداثه ، وباقيا بإبقائه . فالعقل أنور شاهد وأصدق برهان على معرفته تعالى خارجا عن الحدّين : حدّ التعطيل وحدّ التشبيه ، فيعرف العبد بالعقل وظيفة العبودية من التواضع والأدب والإقرار والإذعان بالشؤون الواجبة بين العابد والمعبود . فنتيجة النظر والتفكّر والتدّبر في آيات اللّه تعالى هي التذكرة والمعرفة بالآيات تذكرة ومعرفة واقعيّة إذ معرفة الحقيقة النوريّة لا تمكن إلّا بظهورها الذاتيّ وبتعريفها نفسها . فليس ذي الآيات أمرا مشكوكا مجهولا ليحتاج إثباته بإقامة البرهان على وجوده ، بل الإثبات مرجعه على ما ذكرنا إلى ظهور الذات بلا تشبيه وتعطيل . ولا فرق في ذلك بين إثبات وجوده وتوحيده تعالى ، إذ ظهوره لخلقه بخلقه كما هو عين إثبات وجوده كذلك إثبات لتوحيده . ثمّ إنّ الظاهر أن الآية الكريمة ليست في مقام إثبات الصانع وإقامة الحجة على المنكرين والمرتابين ، وكذلك ليست في مقام الاستدلال على توحيده ونقض حجج المشركين بل في مقام شرح حال الذاكرين العارفين باللّه تعالى وبسننه في خلقه بأنّهم يتفكّرون في خلق السماوات والأرض ، ويشاهدون الآيات والعلامات المودعة فيهما ، ويتأملون في مواقع العبر والحكم التي روعيت في خلقهما ونظمهما . فهذا الاستبصار والاعتبار لأولي الألباب الذاكرين للّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ، إنّما هو بعد رسوخهم في معرفة اللّه وتوحيده . وهذه المطالعة والفكرة توجب لهم انتقالات من مقام إلى مقام ، ومن معرفة إلى معرفة ، ومن مرتبة إلى مرتبة . فإنّه قد جرت سنّته المقدّسة الكريمة أن يزيد في هدى المهتدين والمستهدين