تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
رأته عين ولا سمعته أذن ، ولا خطر على قلب بشر بخلاف متاع الدّنيا وحياتها . قوله تعالى :
« وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ » .
( 185 ) الظاهر أنّ ما به الغرور هي الحياة في الدّنيا والتمتّع بها ولذّاتها ، وتعلّق أبناء الّدنيا بها لأن بها حياتهم وبقاءهم . وليست حقيقة هذه الحياة إلّا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، إذ هي في معرض الزوال والتحوّل والتبدّل . والّذين افتتنوا بها وعملوا لها بحيث غفلوا عن حقيقتها فبين ما هم يضحكون لها وهي تضحك لهم إذ نشب الدهر بهم حسكه . ويمكن أن يكون المراد من متاع الغرور هي نفس الدّنيا الّتي افتتن وغرّ بها محبّوها ، يريدون أن يعيشوا بها عيشة هنيئة ، والحال أنّ الدّنيا دار كتب اللّه لها الفناء ولأهلها منها الجلاء ، فهي مشرفة على الزوال ومؤذنة بالانحلال ، وأبناؤها غافلون عنها وعن حقيقتها ، يعظّمون حياتها ويكثرون عمارتها . وليست هي مع ما فيها من متاعها وزهرتها عند وليّ من أولياء اللّه تعالى إلّا كفيء الضلال . قوله تعالى :
« لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ » .
قد ذكرنا مرارا معنى اختباره تعالى عباده أنّ الاختبار منه تعالى ليس لاستكشاف ما لم يعلم ، بل هو لضروب من الحكمة والغايات جرت به سنّته تعالى في طريق تكميل عباده وتربيتهم وتمحيصهم . والاختبار في المال عبارة عن صرفه وإنفاقه على ما أمره اللّه تعالى في موارده من غير إسراف وإقتار ، لا سيّما في أداء النفقات والحقوق الواجبة . ومن الابتلاء في الأموال لحوق النقص والآفة والخسارة فيها . قال تعالى :
« وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ »
[ البقرة ( 2 ) / 155 ] . والابتلاء في الأنفس ، استعمالها والسعي بها فيما أمر اللّه تعالى في طاعته لا سيّما الجهاد في سبيله وعرض هذه النفس وإيقاعها مع شدّة الحبّ لها في المهالك . في العيون 2 / 89 ، في ذكر ما كتب به الرضا عليه السّلام إلى محمّد بن سنان