عليه السّلام : فهلك إذن مؤمن آل فرعون ! ما زال العلم مكتوما منذ بعث اللّه نوحا عليه السّلام . فليذهب الحسن يمينا وشمالا ، فو اللّه ما يوجد العلم إلّا ها هنا .
وبالجملة يختلف حكم وجوب الإظهار والكتمان بحسب اختلاف المقامات والعناوين . والميثاق الّذي أخذ من الّذين أوتوا الكتاب بالجهر بما يعلمونه لا يشترط فيه كونه ممّا في الكتب السّماويّة على لسان أنبيائهم بل الآية مطلقة شاملة للعلوم البديهية بضرورة عقولهم أيضا .
وإيجاب البيان لا يمكن إلّا بعد إيجاب العلم بما في الكتاب . فالإيجاب بقوله تعالى :
« لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ »
بصيغة المخاطب المؤكّدة باللّام والنون ، إنّما هو على العلماء بالكتاب . وحيث إنّ الحكم حكم عقليّ ضروريّ والقضيّة حقيقيّة فلا محالة ينحلّ هذا الحكم بحسب الأزمان على موضوعه المفروض . فعلى هذا ليس وجوب طلب العلم والتفقّه في الدّين لأجل العلم الإجمالي بوجود أحكام واجبة أو محرّمة للخروج عن عهدة تلك الأحكام بل وجوبه إنّما لأجل بداهة وجوب القيام بحمل الدّعوة الإلهيّة والعلوم الربّانية ، والذبّ عنها من تحريف الغالين وانتحال الجاهلين وتأويل الملحدين ، وبلاغة للنّاس لدعوتهم إلى اللّه وإلى الآخرة ، والإيمان بالكتب الإلهيّة ، والرسل والملائكة ، ثمّ تشريع الأحكام ونشر العلوم ، وبثّ الحقائق وتربية النّاس وإصلاحهم بالعلم والعمل .
قوله تعالى :
« فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ » .
أي تركوا الميثاق المأخوذ جرأة على اللّه حيث لم يبيّنوا الكتاب فيما يحتاج إلى البيان والتوضيح ، وسكتوا وأوّلوا وحرّفوا الكلم عن مجاريها ومواضعها طبقا لجهلهم وأهوائهم الّتي زعموها علما أو تطبيقا لأحكام وضعوها لإشباع رغباتهم وميولهم ، أو كتموها وأنكروها جميعا ورفعوها من الكتاب لا سيّما ما وصل إليهم من السنن والعلوم عن الأنبياء عليهم السّلام .
قوله تعالى :
« وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا » .