فبعض الأجور .
أقول : لو قلنا بأنّ الايفاء عبارة عن الاعطاء الكامل فلا دلالة فيه على وجود البرزخ أيضا ولا نقصان عطائه تعالى فيه ، فللبرزخ وأحواله وأهواله وما يجري فيه من الأخذ والعطاء أدلة بخصوصه .
قوله تعالى :
« فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ » .
قال في لسان العرب 2 / 468 : زحّة يزحّه زحّا ، وزحزحه فتزحزح : دفعه ونّحاه عن موضعه فتنحّى وباعده منه .
قال الرازي في تفسيره 9 / 126 : واعلم أنّه لا مقصود للإنسان وراء هذين الأمرين ، الخلاص من العذاب والوصول إلى الثواب ، فبيّن تعالى أنّ من وصل إلى هذين المطلوبين فقد فاز بالمقصد الأقصى والغاية الّتي لا مطلوب بعدها .
أقول : النّار الّتي توعّد اللّه سبحانه بها أعداءه لا أمان لأحد منها إلّا بفضل اللّه تعالى وبالعمل الصالح . والتخلّص منها أزهى كرامة وأجلّ نعمة ، فليس الدخول في الجنّة عملا عاديّا تكوينيا ، فالنجاة والتخلّص من النّار يحتاج إلى مؤونة لا يدركها أحد ولا تحصل له إلّا بفضل اللّه تبارك وتعالى .
والفوز المذكور في الآية لا يقاس بالفوز والفلاح المحسوس في الدّنيا فإنّ الجنّة ليست تكرار الدّنيا ، ونعمها ليست تكرار نعمها . وليس المراد من التخلّص من النّار والتنعّم والتلذّذ بنعم الجنّة هو إشباع الشهوة وإرضاء الهمّة بل التخلّص من النّار خلاص من الهوان ، وأمان من الخزي والخذلان ، ومرافقة الكافرين والشّياطين ولا يكون ذلك إلّا برضا الرحمن جلّ مجده . وكذلك الدّخول في الجنّة ، فإنّ التنعّم والتلذّذ بنعم الجنّة الماديّة وغيرها هي البهجة والنشاط والسرور بما لا يقدّر قدره إلّا اللّه . وهي دار قرب اللّه ومحلّ كرامته وإكرامه لا يشوبها هوان وخزي بوجه أصلا . وفيها من العلوم والمعارف ونيل الكرامات والكمالات وقرّة العين بمقام القرب ، وهي غاية آمال المحبّين والمحسنين . فليس الفوز المذكور في الآية إلّا بالوصول إليها والتمتّع بها ولا يعرف ولا يدرك بالمقاييس ، وفيها ما لا