تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
ما ارتكبوا من الجنايات . فلا يردّ القضاء العدل والحكومة الحقّة عنهم . قوله تعالى :
« الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » .
( 183 ) احتجّت اليهود على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنّ اللّه قد أوصى وعهد إليهم أن لا يؤمنوا إلّا بالنبيّ الّذي أتى بمعجزة القربان فقط . وهذا افتراء منهم على اللّه سبحانه لأنّه ليس لانحصار كون معجزة القربان علامة للقبول ، وجه ، فإنّ كثيرا من الأنبياء الماضين لم تكن معجزتهم هي القربان حتّى موسى عليه السّلام قد أتى بالآيات التسع وليست معجزة القربان منها . فهذه الآية لا تردّ معجزة القربان ولا تنكرها بل تسجّل عليهم أنّكم قد قتلتم كثيرا من الأنبياء الّذين جاؤوا بالبيّنات وبالقربان الّذي قلتم ، فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين في دعواكم . واحتجّت عليهم أنّ الأنبياء قد جاؤوا بالبيّنات والزبر وبالكتاب المنير من غير انحصار بالقربان فلا دليل على توقف تصديقهم والإيمان بهم ، بالقربان . والقربان على تقدير وجوده بيّنة كسائر البيّنات . وهذا الاحتجاج من اللّه تعالى على اليهود الّذين في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وآله ولم يكونوا قتلة الأنبياء ، والتسجيل عليهم بقتل الأنبياء الّذي هو من أعظم الجنايات ، إنّما هو من باب رضاهم بفعل آبائهم ، فإنّ هوى هؤلاء الأبناء هوى آبائهم ، والراضي بفعل قوم داخل فيهم . والظاهر من بعض الروايات أنّ الخروج عن مظلمة الظالمين متوقف على البراءة والتبرؤ منهم . ولا يكفي في ذلك صرف السكوت بل لا بدّ من الإظهار والإعلان سواء كان الظالم معاصرا أو متقدّما لئلّا يسري الفساد والانحراف إلى اللّاحقين ولا تستحكم أصول البدع والمظالم فيهم ، فتطهير المجتمع والأفكار العموميّة متوقف على البراءة والإنكار . والتولّي لأولياء اللّه تعالى والبراءة من أعدائه سبحانه من أصول الإيمان ، فإن لم يستطع الإنكار والجهر به فلا بدّ أن يعرض في خلواته إلى ربّه وينكره بقلبه .