سياق الآية الكريمة التهديد والوعيد للبخلاء الّذين يبخلون بما آتاهم اللّه من فضله .
قال في التبيان 3 / 64 : وقيل : إنّها نزلت في أهل الكتاب بخلوا أن يبيّنوه للنّاس . على قول ابن عبّاس .
قال في المنار 4 / 258 : أكثر المفسّرين على أنّ المراد بما آتاهم اللّه من فضله ، المال . وأنّ البخل به هو البخل بالصدقة المفروضة فيه . . . وذهب آخرون إلى أنّ ذلك هو العلم ، وأنّ الكلام في اليهود الّذين أوتوا صفات النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم فكتموها . والأولى أن تبقى على عمومها فإنّ المال من فضل اللّه ، وكذلك العلم والجاه . والنّاس مطالبون بشكر ذلك والبخل على النّاس به كفر لا شكر .
أقول : لا دليل على قول ابن عبّاس فضلا عن دعوى عموم الآية . نعم يمكن جعل قول ابن عبّاس تأويلا للآية لو ورد به نصّ عن المعصوم عليه السّلام وإلّا فلا .
والظاهر أنّ المراد بما آتاهم اللّه هو المال . والمفعول الأوّل لقوله تعالى
« وَلا يَحْسَبَنَّ »
هو البخل المستفاد من قوله تعالى
« يَبْخَلُونَ »
والمفعول الثاني هو خيرا .
وضمير
« هُوَ »
فصل بين المفعولين . واحتمال رجوعه إلى المال ضعيف .
قوله تعالى :
« بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ » .
الضمير راجع إلى البخل . وقوله
« سَيُطَوَّقُونَ ما . . . »
في مقام التعليل لكون البخل شرّا لهم . وهذا تهديد بالعذاب .
وهذا دليل على أنّ إخراج هذا المال إنّما هو من الفرائض إذ لا وعيد في مخالفة غير الفرائض . وليست الآية في مقام تشريع الفرض ليكون له إطلاق أو تقييد . وهذا التهديد في مرتبة متأخّرة عن مرتبة الجعل . وحيث إنّ هذا التهديد في مقابل العصيان على الحكم المجعول فيدور مدار الحكم الّذي عصي فيه إن كان مطلقا فمطلق وإن كان مقيّدا فمقيّد . فالتماس الإطلاق والتقييد في مرتبة التهديد ليس بصحيح .