تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
الغيب فلا بدّ أن يعلمه بإعطائه وإذنه تعالى ، وكذلك الشفاعة وأمثالها فإنّه المالك المتوحّد بجميع ذلك . قال تعالى :
« وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ » .
[ الأنعام ( 6 ) / 59 ] الظاهر أنّ مفاتح جمع مفتح - بكسر الميم - بمعنى المفتاح . أي : الّذي يفتح به الأبواب المغلقة . والمعنى المراد في المقام هو تمكّنه تعالى وتسلّطه على الغيوب بأسرها ، وأنّ أبواب جميع الغيوب مفتوحة عنده سبحانه . فلا غيب بالنسبة إليه سبحانه ، فإنّ كلّ سرّ عنده علانية وكلّ غيب عنده شهادة ؛ وهو تعالى المتفرّد والمتوحّد بذلك وحده لا شريك له . وأمّا العالمين بالغيب من ملائكته وعباده المقرّبين فإنّما يعلمونه بتعليمه وتمليكه سبحانه . قال تعالى :
« عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » .
[ الجنّ ( 72 ) / 26 ، 27 ] واضح أنّ الاستثناء من الأمر المنفيّ على الإطلاق يفيد إثبات شيء من الأمر المنفيّ ، فتكون الآية الكريمة تقييدا للآيات النافية بالإطلاق . وفيها تصريح بأنّ علم الغيب لما سواه تعالى ، إنّما يكون بارتضائه وتعليمه وإفاضته للرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من دون توهّم استقلال واستغناء له . ومعلوم أنّ اللّه تبارك وتعالى ليس بمنعزل عن هذا العلم الّذي أفاضه لرسوله وملّكه إيّاه ، وكذلك لغيره من الملائكة والأنبياء والرّسل والأئمة الصدّيقين صلوات اللّه عليهم أجمعين ، ضرورة أنّ هذه المالكيّة للغير إنّما هي بتمليكه تعالى إيّاه وفي طول مالكيّته تعالى ، فهو تعالى أملك به من جميع ما سواه . ثمّ إنّ قوله تعالى :
« وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ »
ظاهر في أنّ هذا الاجتباء يتعلق بعلم الغيب لا الرسالة ، فمتعلّق الاجتباء هو الرسل . و
« مِنَ »
للتبعيض أو للتّعدية . ومرتبة إعطاء علم الغيب بعد مرتبة تحقّق الرسالة . ومن هذا