تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
الإبلاغ والإنذار ، والعلم بالأحكام ممّا يحبّه ويسخطه ، لا معرفة النّاس وسرائرهم ، والتوسّم والتفرّس في ذلك إذ ليست من مناصب النبيّ ووظائفه معرفة النّاس من حيث سعادتهم وشقاوتهم وإن كان النبيّ عالما بها أيضا . قال في مجمع البيان 2 / 545 : أي : ما كان اللّه ليظهر على غيبه أحدا منكم فتعلموا ما في القلوب أنّ هذا مؤمن وهذا منافق
« وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ »
أي : يختار من يشاء فيطلعه على الغيب أي : يوقفه على علم الغيب ويعرّفه إيّاه . وقال البيضاوي في تفسيره 1 / 195 : وما كان اللّه ليؤتي أحدكم علم الغيب فيطّلع على ما في القلوب من كفر وإيمان ولكن اللّه يجتبي لرسالته من يشاء فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات أو ينصب له ما يدلّ عليها . وقال الرازي في تفسيره 9 / 111 : ثمّ بيّن بهذه الآية أنّه لا يجوز أن يحصل ذلك التمييز بأن يطلعكم على غيبه فيقول إنّ فلانا منافق وفلانا مؤمن ، وفلانا من أهل الجنّة وفلانا من أهل النّار ، فإنّ سنّة اللّه جارية بأنّه لا يطلع عوامّ النّاس على غيبه بل لا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الامتياز إلّا بالامتحانات مثل ما ذكرنا من وقوع المحن والآفات حتّى يتميّز عندها الموافق من المنافق فأمّا معرفة ذلك على سبيل الاطلاع من الغيب فهو من خواصّ الأنبياء . أقول : بناء على هذا يكون ارتباط الآية بما قبلها ، بأنّ معرفة خبث الأشخاص وطهارتهم والتمييز لعامّة النّاس إنّما تحصل بسنّة الابتلاء والاختبار فقط ، ومن المحال أن يجعلهم اللّه جميعهم أنبياء ويطلعهم بسعادتهم وشقاوتهم بنور النبوّة من دون اختبار وامتحان وأمّا على ما ذكرنا من أنّ المراد من التمييز بين الخبيث والطيّب في الآية الكريمة إنّما هو بحسب الواقع ونفس الأمر ، وأنّ قوله تعالى :
« حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ »
راجع إليه تعالى لا إلى النّاس ، فيكون الارتباط بينهما بأنّ جميع النّاس الّذين لا بدّ من الابتلاء والاختبار فيهم حيث إنّ جميعهم لا يمكن أن يكونوا أنبياء مطّلعين على الغيب من الحلال والحرام وغيرهما