للكفّار قبل مبعث النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو على المؤمنين قبل غزوة أحد ، إذ الآية عبّرت بقوله :
« ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ » .
ولو كان المراد قبل أحد أو الكفّار قبل مبعث النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لكان التعبير : على ما كنتم عليه .
فالآية الكريمة صريحة أنّ اللّه تعالى ليست سنّته إبقاء المؤمنين على الحال الّتي أنتم عليه الآن من الاحتياج إلى الانتقاء والتمحيص والتمييز ، فالانتقاء عقيب الانتقاء ، فهم في عين أنّهم ممحصّون لا بدّ لهم من تمحيص آخر ، وبعد التمحيص في أحد مثلا لا بدّ لهم من التمحيص في جيش أسامة وغيره من القضايا الّتي بعده وقبله .
والظاهر أنّ هذا التمحيص بحسب الواقع ونفس الأمر لا لأن يعلم اللّه المؤمن من الكافر فقد كان علمه قبل ذلك حيث لا تمحيص ولا ممحّص ، ولا لأن يعلم النّاس الكافر من المؤمن أو المنافق من المؤمن بل هذا الامتحان والاختبار من سنّته الجميلة في تربية خلقه ، فهذا الامتحان نعمة على المؤمن حيث صبر وأخبت وثبت على عهده تعالى ، ونقمة على الكافر حيث لم يقدم على الإيمان والخضوع والتسليم لأحكامه ولرسوله ، وعلى المنافق أيضا حيث رجع القهقرى ونكص على عقبيه . فلا تزال تمرّ اللّيالي والأيّام ويتساقط منهم في كلّ برهة من الزمان أقوام ويخرج من دين اللّه تعالى أفواج كما دخلوا فيه كذلك ، يدخلون من باب ويخرجون من آخر ولا يبقى منهم إلّا القليل . وهذه الغاية ، غاية تشريعيّة لا تكوينيّة ، وليس تكامل المؤمنين على منهاج هذه السنّة المقدّسة وفي سبيلها إلّا التكامل التشريعيّ وحيث إنّ المؤمن صبر في جنب اللّه ووفى بعهده فاللّه تعالى أيضا وفيّ شكور قد وفى وتفضّل بالهداية والمزيد من الإيمان والثبات عليه والرشد والبصيرة في دقيق أموره وجليلها . وكذا الخبيث حيث أدبر عن الحقّ والهدى ران على قلبه درن سيّئاته ، ووكّله اللّه تعالى إلى نفسه . فكلا الأمرين أمر تشريعي من اللّه ، فإنّ اللّه تعالى يطلب الإيمان والوفاء من كلا الفريقين في مرتبة الابتلاء فيستفيد المؤمن من هذه المأدبة الإلهيّة فيتأدّب ويستكمل بخلاف غير المؤمن