أقول : وهو كما ذكره إلّا أنّ الأصحّ ما ذكرناه من عموم الآية بالنسبة إلى الكفّار الّذين حاربوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في أحد وغيره من المواقف . والغرض من سوق الآية تسلية النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبيان أنّ ذلك يوجب حرمانهم من فضل اللّه وعطفه لهم ، ويوجب أن ينتقم اللّه منهم . وليس في الآية شيء يدلّ على أنّ مسارعتهم في الكفر وجدّهم في حمايته وإطفاء نور اللّه إنّما هو بالحرب وإيذاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والطعن فيه وفيما أتى به من القرآن الكريم .
قوله تعالى :
« إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً » .
علّة للنهي عن الحزن . وليس المراد أنّ اللّه لا يغلب بجدّهم وإصرارهم في الدّفاع عن الكفر ، وأنّ الكفر والإيمان يقعان عن إرادته تعالى لغاية الامتحان وأنّهم مسخّرون تحت إرادته وهو الغالب عليهم البتّة بل الظاهر إنّهم إن يهلكون إلّا أنفسهم وما يشعرون أنّ الضرر والخسران كلّه راجع إليهم ولن يضرّوا اللّه شيئا لا قليلا ولا كثيرا . و
« لَنْ »
لنفي العامّ الاستغراقي .
قوله تعالى :
« يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » .
( 176 )
أراد اللّه تعالى وقضى عليهم قضاء عدلا بالحرمان من حظوظ الآخرة بسبب كفرهم وإصرارهم عليه . وقد سجّل اللّه تعالى عليهم بأنّ لهم عذابا عظيما .
قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » .
( 177 )
هؤلاء الكفّار أعمّ من الفريق الأوّل المسارعين في الكفر الناصرين له .
وهؤلاء مشتركون معهم في الكفر إلّا أنّهم ليسوا مسارعين في الكفر ومدافعين عنه ، فلا تكرار في الآية ، والعناية غير العناية . وفي التعبير بالاشتراء دلالة على أنّ الثمن الّذي هو الإيمان كان هو وأسبابه حاصلة عندهم وفي قبضتهم لتوارد الحجج القيّمة عندهم وسطوح براهين الحقّ وشعاع الفطرة لديهم فباعوه وأضاعوه