المستجيبون للّه ورسوله في ساعة العسرة عليهم بما فيهم من ألم الجراح مع قلّة عدّتهم وعدّتهم ، وليس لهم إلّا اتّباع رضوان اللّه وابتغاء مرضاته .
ولا يخفى أنّ هذا المدح البالغ إنّما هو في الّذين استجابوا بعد ما أصابهم ما أصابهم في أحد وإرجاع هذه الحقيقة إلى غزوة بدر الصغرى ليس على ما ينبغي .
قوله تعالى :
« وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ » .
( 174 )
تمجيد للّه سبحانه ، إذ جميع ما سواه من فضله . وقوله : « عظيم » الظاهر أنّه تنزيه لفضله تعالى فإنّ فضله أعظم وأجلّ أن يحدّ سواء كان في مقام مالكيّته للفضل أو في مقام تفضّله على ما سواه . لا يخاف ضيق إملاق فيكدى ولا يلحقه خوف عدم فينتقص فيض فضله .
قوله تعالى :
« إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » .
( 175 )
قال في مجمع البيان 2 / 541 : « كم » من « ذلكم » للخطاب لا للضمير فلا موضع لها من الإعراب . وقوله :
« يُخَوِّفُ »
يتعدّى إلى مفعولين ، يقال : خاف زيد القتال وخوّفته القتال .
وقال في الكشّاف 1 / 443 :
« يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ »
يخوّفكم أولياءه الّذين هم أبو سفيان وأصحابه ، وتدلّ عليه قراءة ابن عبّاس وابن مسعود : يخوّفكم أولياءه .
أقول : الآية الكريمة مسوقة لتشجيع المؤمنين ومذمّة الشّيطان وتوبيخه ، أي : إنّ الشّيطان يخوّف المؤمنين أولياءه . والمراد من التخويف ، التخويف بالتسبيب أي : إنّ الشّيطان يدسّ المشركين أن يرعبوا المؤمنين بالمكائد والحيل .
قال في التبيان 3 / 55 : وقال قوم :
« يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ »
أي إنّما خاف المنافقون ومن لا حقيقة لإيمانه . وقال الحسن والسدي : يخوّف أولياءه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين .
أقول : هذا المعنى لا خفاء في صحّته في حدّ نفسه إلّا أنّ ذيل الآية وهو
« فَلا تَخافُوهُمْ »
ظاهر في أنّ المراد تخويف المؤمنين من أوليائه لا تخويف أوليائه