« أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ » .
[ العنكبوت ( 29 ) / 2 و 3 ]
والظاهر أنّ قوله تعالى :
« وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ » .
كما ذكرناه غير مرّة - تعبير وكناية عن تحقّق المعلوم خارجا لا العلم ، فإن العلم ليس تابعا للمعلوم ولا متبوعا ومضافا إليه بل العلم كاشف لما كان ولما لم يكن وأنّه لو كان كيف كان ، ولا المعلوم بوجه أصلا لا خارجا ولا صورة علميّة ، ولا نهاية لهذا الكشف ولا يتقيّد بالمعلوم ، ولذلك قلنا في أمثال المقام أنّه كناية عن ثبوت المعلوم وتحقّقه لا حدوث العلم .
والمنافقون هم عبد اللّه بن أبيّ والّذين معه حين انفصلوا عن الجيش ، وتعبيره تعالى عنهم ب
« الَّذِينَ نافَقُوا »
بالفعل الماضي دون الاسم للتصريح بما ارتكبوه من الجناية العظيمة في موقفها ، وقد تحقّق بها نفاقهم وثبتت المعارضة بين قلوبهم والكفر الّذي أبطنوا فيها وبين ألسنتهم الّتي أظهروا بها الإسلام .
قوله تعالى :
« وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا » .
القائل بهذا هو عبد اللّه الأنصاري أبو جابر على ما هو المذكور في التفاسير .
وقد أصرّ وألحّ عليهم أن يقاتلوا في سبيل اللّه إن كان لهم دين ، وإن كانوا يخافون اللّه ويرجون يوم المعاد ، أو ادفعوا عن حريمهم إن كانوا من أهل الحميّة والغيرة .
قوله تعالى :
« قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ » .
قال في الكشاف 1 / 437 : يعنون : إنّ ما أنتم فيه لخطأ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس بشيء ، ولا يقال لمثله قتال ، إنّما هو إلقاء بالأنفس في التهلكة لأنّ رأي عبد اللّه كان في الإقامة بالمدينة ، وما كان يستصوب الخروج .
وقال في المنار 4 / 228 : أي : لو نعلم أنّكم تلقون قتالا في خروجكم لاتّبعناكم ولكنّا نرى أنّ الأمر ينتهي بغير قتل .
أقول : بديهي أنّ المشركين كانوا نزلوا في ساحتهم وكانت صدورهم مملوءة