واستدلّ . أيضا بقوله تعالى :
« لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ »
في ذيل الآية بأنّه أيّ ضلال أبين من ضلال قوم مشركين يعبدون الأصنام ، ويتّبعون الأوهام ، أمّيّين لا يقرؤون ولا يكتبون فيعرفوا كنه ضلالتهم وحقيقة جهالتهم .
وفيه أنّ الضلال مبين في جميع فرق الكفّار ، وما قال اللّه تعالى : في ضلال أبين . على أنّ العرب كانوا أقرب إلى الحنفية من الفرق كلّها ، وفيهم بقايا من سنن إبراهيم عليه السّلام ، والشرك كان ساريا في أكثر الأمم من غير اختصاص بهم .
وتعبير القرآن الكريم عن اليهود والنصارى بأهل الكتاب ، وعن العرب بالمشركين إنّما هو بلحاظ أحكام مترتّبة على كلّ واحد من هذه الأمم لا لنفي الشرك عن غير العرب ، بل في اليهود والنصارى ما فوق الشرك فإنّ اليهود قالت عزير ابن اللّه ، ويد اللّه مغلولة ، وقد فرغ اللّه من الأمر . وقالت النصارى المسيح ابن اللّه ، وقالوا بالتثليث . والمجوس يعظّمون النّار ويقدّسونها وينكحون البنات والأخوات .
واستدلّ أيضا بقوله تعالى :
« يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ »
بأنّ العرب هم الّذين تلا عليهم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بلسانه آيات اللّه ، وباشر بنفسه تزكيتهم وتعليمهم ، وهم الّذين حملوا دعوته إلى غيرهم من النّاس .
وفيه أنّ كتاب اللّه وآياته قد تلاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على جميع النّاس وخاطب بها جميع الأمم وتحدّى بها جميع البشر . قال تعالى :
« وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ » .
[ الأنعام ( 6 ) / 19 ]
فالخلاصة من جميع ما ذكرنا أنّ المراد من « أنفسهم » ليس هم العرب خاصّة بل هم المؤمنون جميعا . وقد علم ممّا قدّمنا أنّ القول الآخر في تفسير قوله تعالى :
« مِنْ أَنْفُسِهِمْ »
هو رهطه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وظهر ممّا تقدّم ضعفه أيضا .
قوله تعالى :
« يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ » .
التلاوة هي القراءة . والظاهر أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يتلو عليهم القرآن في ليلهم ونهارهم في جميع ما تحتاج إليه الدّعوة من الحلال