فلا تصغ إلى قول من قال : إنّ العلوم والمعارف خارجة عن وظيفة النبوّة . وكذلك لا تصغ إلى من قال بأنّ استنباط المعارف والعلوم المختصّة بمرتبة تعليم الكتاب شرعة لكلّ وارد ، يردها واحد بعد واحد ، أو يصل إليها الراسخون من الخواصّ .
فليت شعري ما المراد من الرسوخ ؟ هل هو الرسوخ عن طريق الكتاب والسنّة وتعليم الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فنعم ، أو غيره سواء كان برهانا أو كشفا وعيانا فلا ، إذ لا سبيل إليها إلّا عن طريق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم . ومن العجيب أنّ من ادّعى الاستقلال في المعارف العالية من علوم القرآن وارتكب جزافا من القول استثنى العلم بالأحكام والإفتاء في الحلال والحرام .
قال في المنار 4 / 222 :
« يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ »
. قال الأستاذ الإمام : الآيات هي الآيات الكونيّة الدالّة على قدرته وحكمته ووحدانيّته ، وتلاوتها عبارة عن تلاوة ما فيه بيانها وتوجيه النفوس للاستفادة منها والاعتبار بها ، كقوله عزّ وجلّ في أواخر هذه السورة :
« إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ » .
[ آل عمران ( 3 ) / 190 ]
أقول : أنت تعلم أنّه لا دليل على صرف الآيات إلى الآيات التكوينيّة .
وكونها متعلّقة بالتلاوة دليل على أنّ المراد آيات القرآن فقط سواء كانت متعرّضة لآيات الكون أو غيرها .
قوله تعالى :
« وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ » .
تعليمهم القرآن أن يصيروا حملة للعلم وعلماء في الدّين ، العلم باللّه تعالى وتوحيده ونعوته وصفاته وأسمائه ، والمعاد وأسراره وحلاله وحرامه كما ذكرناه مفصّلا .
قال في المنار 4 / 223 : قال الأستاذ الإمام : أمّا تعليمهم الكتاب فمعناه أنّ هذا الدّين الّذي جاء به قد اضطرّهم إلى تعلّم الكتابة بالقلم وأخرجهم من الأميّة لأنّه حثّ على المدنيّة وسياسة الأمم .