أقول : قد علمت أنّ هذا الوجه ليس تفسيرا للآية ، فإنّ اضطرار الدّولة الإسلاميّة إلى تعليم الكتابة يختلف عن معنى تعليم الكتاب . فلقائل ان يقول : إنّ الإسلام والمسلمين قد اضطرّوا إلى الجهاد والزراعة وإلى جميع شؤون الرقي والمدنيّة فعلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يعلّمهم عمل السيوف واقتناء الخيل وعمل الزراعة . وهذا تكلّف زائد .
ثمّ إنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يتظاهر بنفسه الشريفة بأمر الكتابة وإن كان عالما بها ، كما أنّه كان كذلك قبل مبعثه أيضا . قال تعالى :
« وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ » .
[ العنكبوت ( 29 ) / 48 ]
وما ورد في بعض الروايات أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يحسن الكتابة ويعلّمها النّاس معارض بعدّة أخرى أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يقرأ ولا يكتب . ويؤيد الروايات النافية أنّه لم يذكر أحد من أرباب السير وحملة الحديث عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كتابة شيء بخصوصه ، ولم يذكروا في مواريثه الّتي ورثها علي عليه السّلام من الجفر والجامعة ، وغيرها من آثار العلم ، أنّ شيئا منها كان مكتوبا بخطّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وقد كان جميعا مكتوبا بخطّ علي عليه السّلام وإملاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من فلق فيه .
ولعلّ هذه الأحاديث متواترة في كتب الشيعة رواها أعلام الشيعة في جوامعهم الحديثيّة . وكثيرا ما يستند أئمّة الشيعة حين ما أفتوا في واقعة إلى كتاب عليّ عليه السّلام . وقد رآها عندهم عليهم السّلام بعض من أعيان الشيعة مثل زرارة بن أعين ونظرائه ، فلم يذكروا عند ذكر هذه الكتب كتابا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
وقد كان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم اتّخذ لنفسه كتّابا يكتبون له الوحي والمراسلات إلى الملوك وغيرها من الكتب .
قوله تعالى :
« وَالْحِكْمَةَ » .