« أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ » .
[ الزخرف ( 43 ) / 5 ]
« فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ » .
[ الذاريات ( 51 ) / 54 ]
فغلبة الأشراف وتسلّطهم على أولياء اللّه بالقتل والحبس ومنعهم الناس عن الاستنارة بنور الوحي ممّا لا ريب فيها حسّا وعيانا . والأمر كان على هذا النمط بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى هذا اليوم ، فإنّ الحجّة بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي ، والحجّة تكون ظاهرة مشهورة وخائفة مستورة ، وقد تكون مقتولة مقهورة .
فالخلاصة من جميع ما ذكرناه أنّ اللّه تعالى خلق الخلق لغاية حكيمة ، وبعث الأنبياء وأرسل الرسل بتشريع الشرائع وهداية النّاس إلى غايتهم الّتي خلقوا لأجلها إتماما للحجّة عليهم وإبطالا للأعذار لئلّا يكون الأخذ قبل الحجّة والعقاب قبل البيان .
قوله تعالى :
« إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ » .
« إذ » ظرف ل
« بَعَثَ »
وفيه إشعار لوجه المنّ وسببه ، فجرى منّ اللّه على المؤمنين ببعث الرسول . والضمير في قوله :
« فِيهِمْ »
راجع إلى المؤمنين عامّة دون العرب خاصّة ودون قريش بالأخصّ .
والرسول هو فعول من رسل يرسل ، لازم غير متعدّ . وتعديته إمّا بهمزة باب إفعال أو ب « إلى » أو باللّام . والمراد منه من أرسل إليه برسالة وبعد إلقاء الرسالة إليه وتحمّلها يسمّى رسولا .
والضمير في قوله
« مِنْ أَنْفُسِهِمْ »
عائد إلى المؤمنين . واختلف المفسّرون في تفسير
« أَنْفُسِهِمْ »
على أقوال :
قال في المنار 4 / 221 :
« مِنْ أَنْفُسِهِمْ »
أي من جنسهم أي العرب . ووجه هذه المنّة الخاصّة ، الّتي لا تنافي كونه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رحمة عامّة ؛ هو أنّ كونه منهم يزيد في شرفهم ، ويجعلهم أوّل المهتدين به ، لأنّهم أسرع النّاس فهما