تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
وأقدمها وأسبقها ، ويستحيل عندهم أن تكون النبوّة والرسالة وكذا البعث والإرسال أمرا خارجا عن نظام العلّة والمعلول ، وكذا المعجزات والآيات الخارقة للعادات ، الواقعة في طريق إثبات النبوّات ، ولهذا أخذوا في تأويل الآيات والسنن الواردة في بيان المعجزات والكرامات لتكون مطابقة لسنن العلّيّة والمعلوليّة وقوانينها ونواميسها . وهم فسّروا العصمة أيضا على هذا النمط وزعموا أنّ العلم المفاض على النبيّ أيضا داخل تحت هذه القاعدة ومرتّب على سلسلة علله ومعلولاته . وملخّص الكلام أنّ جميع الحوادث واقعة في سلسلة العلل والمعلولات من دون اختصاص بحادثة دون حادثة ، وواقعة دون واقعة . ولا فرق في ذلك بين أحسن الحوادث وأشرفها وأخسّها ، ولا فرق في ذلك أيضا بين كونها من أشرف أعمال العباد أو أحسنها وبين كونها من أقبح وجوه الكفر وأخبثها . فظهر أنّه لا كلام بناء على هذا المشرب في وجوب بعث الأنبياء بالوجوب الاصطلاحي عندهم ، فهو من الأمور العادية الواجبة بوجوب علله . وقد أوردنا هذا البحث والتعرّض لإبطاله في تفسير قوله تعالى :
« كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً . . . » .
[ البقرة ( 2 ) / 213 ] . وحيث إنّ مالكيّته تعالى لأمر الخلق والنظر في شؤونهم تنافي الوجوب فلا شيء يجب عليه تعالى بهذا المعنى ، فإنّه لا يوجد شيء إلّا عن رأيه وقضائه وقدره وإذنه ، فقبل الإيجاد لا وجوب إذ القدرة حاكمة عليه وعلى ضدّه ونقيضه في عرض سواء ، وبعد الإيجاد عن رأيه وقضائه لا موضوع للوجوب ، وبعد تحقّقه فإبطاله وإبقاؤه عليه تعالى في عرض سواء . وقد وردت في تفسير قوله تعالى
« كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً »
روايات مصرّحة بنفي الوجوب وأنّ بعث الأنبياء أمر حادث ابتدأ اللّه تعالى به وصدر عن رأيه وقضائه . في الكافي 8 / 82 ، عن حميد بن زياد مسندا عن يعقوب بن شعيب أنّه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ وجلّ :
« كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً » ،
فقال :
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 142 | محمد باقر الملكي الميانجي