ولا يخفى أنّ الآية الكريمة في مقام التهديد للمسيئين ولا إطلاق فيها بالنسبة إلى حسنات المؤمنين وسيّئات العاصين ، بل المقام مختصّ بالثاني وأنّه لا يحقّ لهم أن ينسبوا إليه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الغلّ ، وليعلموا أنّ الّذين اتّبعوا رضوان اللّه لا يساوون الّذين يبؤون بسخط اللّه تعالى ، وليعلموا أنّ أعمالهم ولا سيّما سيئاتهم مكشوفة لعين اللّه النافذة البصيرة .
ولا يخفى أنّ الصالحات والسّيئات لها آثار صالحة وآثار سيّئة تترتّب عليهما بإذن اللّه سبحانه . قال تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » .
[ الرعد ( 13 ) / 11 ]
فمن الذنوب ما يوجب تغيّر النعم ، ومنها ما يوجب البلاء ، ومنها ما يوجب السماء أن تمنع مطرها ، ومنها ما يوجب قلّة العمر ، إلى غير ذلك ممّا ذكر في أبوابه .
وهذا كلّه ممّا يجريه اللّه عليهم في الدّنيا ويعفو سبحانه عن كثير . ومن الذنوب ما يوجب العذاب في البرزخ أيضا كضغطة القبر وتجسّم الأعمال . وهذه الآثار إنّما هي قبل الحساب وليست من باب الحساب يوم العرض الأكبر على اللّه تعالى ، وإن كان يطلق على بعضها الحساب أيضا إذ هو حساب ولو بشكل إجمالي . وأمّا الحساب الّذي يخرج له كتابه فيلقاه منشورا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها ، فيقول : ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ؟ ! ويودّ المجرمون لو كان بينهم وبينه أمد بعيد . وفي هذا الموقف إن أخذهم اللّه بعدله وجازاهم بسيّئات أعمالهم فهو على نحو الإيفاء .
« ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » .
وإن عفا عنهم بفضله فقد أحسن إليهم . وفي جانب الحسنات إن ضاعف لهم الحسنات أو ثوابها ، أو يبدّل سيئات بعض المؤمنين حسنات فهو فضله ، فإنّ المزيد له تعالى وهو سبحانه غريم لا يستوفي تمام دينه فيقوم بوعده ويحسن بفضله ، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملا ، ولا يضيع إيمان المؤمنين .
فقوله تعالى :